ـ ولو نظرنا إلى واقع إسرائيل، ستجد أنها أشبه بالطفل الخداج، الذي يعيش في بيئة مصطنعة، ويحتاج فيها إلى من يٌقدّم له الحماية والرعاية والعناية المستمرة والحثيثة، والإمداد بالغذاء والهواء في الظروف الطبيعية، وإلى العلاج المكثف في الأزمات الصحية بسبب نقص المناعة، وعدم القدرة على المقاومة.
ومشكلة إسرائيل، أن حاضنتها تقع في بيئة معادية، وهي عرضة لأن يُفتك بها، في أي لحظة، وأن أمريكا القائمة على رعايتها والعناية بها، تبعد عنها آلاف الأميال. وتحتاج إلى وقت ليس بالقصير، لتقديم العون لها، كلما ألمّ بها عارض مفاجئ، وغالبا ما كانت أمريكا تلجأ إلى الحيلة والمماطلة، في كل مرّة لكسب الوقت، كي تؤمن لها العلاج المناسب، وتنقذها من الهلاك.
وللتخلص من هذا المسخ، يتطلب الأمر، المباغتة بالهجوم وسرعة الإنجاز وعدم التأخير، أثناء عملية القتل، والاستمرارية حتى مفارقة الروح الجسد، لحرمان القائمة على الرعاية، من كسب الوقت، الذي تحتاجه لتعطيل عملية قتل المسخ، ومن ثم لتقوم بإنعاشه، كما جرت العادة في كافة الحروب العربية الإسرائيلية. ولنخلص إلى القول بأن نجاح هذه المهمة، يعتمد على ثلاثة عوامل:
أولا: المباغتة بالهجوم.
وثانيا: سرعة الإنجاز.
وثالثا: الاستمرارية حتى مفارقة الروح الجسد، إذ ليس بإمكان أمريكا أن تحيي الموتى، ولو فكّرت بذلك فلن تجد من يُؤيّدها.
صور من التاريخ الإسلامي:
في السنة السادسة للهجرة، كان الرسول عليه الصلاة السلام، وألف وأربعمائة رجل من المسلمين، قد أحرموا بالعمرة متوجهين إلى مكة، فعلم مشركي قريش بذلك، فخرجوا بخيلهم، لصدّهم عن دخول المسجد الحرام. فسلك عليه الصلاة والسلام طريقا، غير التي كان عليها، حتى وصل إلى الحديبية، بركت الناقة على غير عادتها، فعلم عليه الصلاة والسلام، أنها لن تعدو مكانها، وبأن العمرة لم تُكتب لهم ذلك العام، فأقام ومن معه فيها. فكان فيها الصلح الذي كان من بنوده، حرمان المسلمين من أداء العمرة في ذلك العام، على أن يعودوا لأدائها في العام المقبل، فشُقّ ذلك على المسلمين، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي أراد قتالهم والدخول قسرا، ولم تهدأ سَوْرة غضبه، إلا بعض أن أُنزلت آيات سورة الفتح، مُبيّنة الحكمة الإلهية، التي غفل عنها بعض من أيّد قتال أهل مكة، من الصحابة رضوان الله عليهم.
قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا(24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ، لَمْ تَعْلَمُوهُمْ، أَنْ تَطَئُوهُمْ، فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، لَوْ تَزَيَّلُوا، لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25 الفتح) ، فبالرغم من توافر الرغبة الإلهية في تعذيب الكفار، وتوافر التأييد الإلهي للمسلمين في مواجهاتهم للمشركين، وأسر المسلمين لمن خرج لصدّهم عن المسجد من مشركي قريش، مُنع المسلمين من الدخول لمكة قسرا، لئلا يُلحقوا الأذى بالمؤمنين، غير المعلومين من أهل مكة، وأنه لو كان هؤلاء ظاهرين ومعلومين، لسُمح للمسلمين بقتال المشركين، ودخول مكة قسرا.
قلنا في فصل سابق أن صفة دخول المسجد الأقصى، في المرة الثانية مشابهة لصفة دخوله في المرة الأولى، والدخول الأول كما علمنا، كان من قبل البابليين. ولكن ما نود أن نؤكد عليه هنا، أن ظروف الدخول الأول مختلفة، عن ظروف الدخول الثاني، فالدخول الأول، وقع على كفرة اليهود وفسقتهم، بعد أن قاموا بإخراج المؤمنين المستضعفين من ديارهم، وإبعادهم إلى خارج حدود المملكة. وما نراه أمامنا على أرض الواقع في فلسطين ككل، هو تداخل المدن الفلسطينية بالمدن اليهودية والمستوطنات، واختلاط السكان من عرب ويهود، في بعض المدن وخاصة في مدينة القدس. وهذا الواقع مشابه إلى حد ما، ظروف مكة قبل الفتح، حيث اختلاط المؤمنين سرّا بالكفار