وهذا مما ينفي، والله أعلم، استخدام القوة بشكل مفرط، أثناء الدخول العراقي لفلسطين، ومما ينفي وقوع مواجهة شاملة، في حرب معلنة ومكشوفة، ولنتعرف على الفكر العسكري، لرسول الله عليه الصلاة والسلام، في كيفية التعامل مع هذا الواقع، وكيفية التدبير الإلهي في تنفيذ وعده، سنعرض بعض الملامح من فتح مكة.
لما كان صلح الحديبية، دخل بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكانت الهدنة. فاغتنمها جماعة من بني بكر، في السنة الثامنة للهجرة، فأصابوا من خزاعة ثأرا قديما لهم، وكانت قريش قد رفدت بني بكر بالسلاح والرجال. فخرج نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأخبروه بما أصيب منهم، ومظاهرة قريش لبني بكر عليهم، فوعدوا بالنصر، ثم انصرفوا راجعين. فخرج أبو سفيان حتى قدم المدينة، ليطلب الشفاعة، ويشدّ في العقد، ويزيد في المدة، فرجع خائبا.
في تلك الأثناء، أُمر المسلمون بالجهاد، وأُخفيت جهة الخروج عن الناس في بادئ الأمر، كما أُخفي موعد الخروج، ثم إن رسول الله أخبر الناس، قبيل خروجه بفترة قصيرة، أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجدّ والتهيؤ، وقال:"اللهم خُذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها في بلادها". وكلنا يعلم قصة حاطب بن أبي بلتعه، عندما حاول إعلام قريش بما كان من أمر المسلمين، فكشف الله أمره عن طريق الوحي. وشاء الله، فعُمّيت الأخبار عن قريش، ونزل جيش الفتح بالقرب من مكة.
كان العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام، قد أعلن إسلامه عند مقدم جيش المسلمين لغزو مكة، ومما قاله حين نزل رسول الله مرّ الظهران:"واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله مكة عنوة، قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر". فخرج العباس رضي الله عنه، ليبحث عن رجل من قريش، ليطلب لها الأمان، من رسول الله عليه الصلاة والسلام، خوفا من أن يُهلكها جيش المسلمين، القادم للانتقام منها لنقض العهد، فوجد صاحبه أبي سفيان، فاستجلبه ليطلب الأمان. ولولا ما أُعطي أبو سفيان، من الأمان لأهل مكة، وإطلاق سراحه صباحا، ليُخبرهم قبل دخول جيش المسلمين، لهلكت قريش.
كانت قريش - بعد أن نقضت العهد - تتوقع خروج الرسول عليه الصلاة والسلام عليها، ولكنّ معرفتها لوقت خروجه على وجه الدقة، لم تكن متحصّلة، لذلك لم تقم بالاستعداد للمواجهة، وكانت تعتمد على خبر يأتيها من عمليات التجسس، التي دأبت على القيام بها، منذ نقضها للعهد، للبدء في الاستعداد. ولكن ذلك الخبر لم يأت، بمشيئة الله، حتى كان صباح يوم الفتح، على لسان أبي سفيان، الذي كان قد أسلم، داعيا أهل مكة إلى الاستسلام، لا داعيا إياهم إلى النفير.
مقومات وظروف فتح مكة:
كان مُحرّك الخروج على قريش، هو الرغبة في الانتقام منها لنقضها العهد، والثأر لبني خزاعة، بالإضافة لدوافع أخرى، أما رسول الله عليه السلام، فكان أرحم بأهل قريش من أنفسهم.
1.توافر الوعد الإلهي لرسوله وللمؤمنين بالفتح.
2.إحاطة عملية الخروج بالسرية التامة، لتوفير عنصر المباغتة، مما حرم قريش من الاستعداد للمواجهة، سواء بإعداد العدد والعدة، أو بالاستعانة بما حولها من القبائل، ممن كانوا على عداء مع المسلمين. مع العلم بأن المسافة ما بين المدينة ومكة، تزيد على 400 كم، وأن وسائل الانتقال كانت بدائية وبطيئة جدا، ومع ذلك تمكّن المسلمون، من الوصول ومباغتة أهل مكة، من خلال الأخذ بالأسباب، ومن ثم الاعتماد على التأييد الإلهي.