يخبر هذا الحديث عن هدنة تكون بين المسلمين والروم، والهدنة كما جاء في الشرح، هي صلح على إيقاف القتال قبل اشتعال فتيله أو في بداياته، ومن ثم يغدر الروم فيغزون ديار المسلمين، بجيش قوامه ما يُقارب المليون جندي.
أما الهدنة وما يسبقها، فيوضحه الحديث التالي:
عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: مَالَ مَكْحُولٌ وَابْنُ أَبِي زَكَرِيَّا، إِلَى خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، وَمِلْتُ مَعَهُمْ، فَحَدَّثَنَا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ الْهُدْنَةِ، قَالَ: قَالَ جُبَيْرٌ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى ذِي مِخْبَرٍ، رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْنَاهُ، فَسَأَلَهُ جُبَيْرٌ عَنْ الْهُدْنَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:"سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ، فَتُنْصَرُونَ، وَتَغْنَمُونَ، وَتَسْلَمُونَ، ثُمَّ تَرْجِعُونَ، حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ، فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ، فَيَقُولُ: غَلَبَ الصَّلِيبُ، فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَيَدُقُّهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ، تَغْدِرُ الرُّومُ، وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ"، رواه أبو داود، وصحّحه الألباني وأخرجه ابن ماجه وأحمد والحاكم والبيهقي.
وتكملة للحديث، في رواية أخرى بسند آخر لابن ماجه"فَيَجْتَمِعُونَ لِلْمَلْحَمَةِ، فَيَأْتُونَ حِينَئِذٍ، تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةٍ، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا".
جاء في شرح هذا الحديث في (عون المعبود) :"الروم جيل معروف، في بلاد واسعة تضاف إليهم، فيقال بلاد الروم، ومشارق بلادهم وشمالهم الترك والروس والخزر، وجنوبهم الشام والإسكندرية، ومغاربهم البحر والأندلس، وكانت الرقة والشامات كلها، تعد في حدودهم أيام الأكاسرة، وكانت أنطاكية دار ملكهم، إلى أن نفاهم المسلمون إلى أقصى بلادهم انتهى ... فسأله جبير عن الهدنة، أي الهدنة التي تكون بين المسلمين وبين الروم، آمنا أي ذا أمن، فتغزون أنتم، أي فتقاتلون أيها المسلمون، وهم أي الروم المصالحون معكم، عدوا من ورائكم أي من خلفكم، وقال السندي في حاشية ابن ماجه، أي عدوا آخرين بالمشاركة والاجتماع، بسبب الصلح الذي بينكم وبينهم، فتُنصرون بصيغة المجهول، وتغنمون بصيغة المعلوم أي الأموال، وتسلمون من السلامة، أي تسلمون من القتل والجرح في القتال، ثم ترجعون أي من عدوكم، حتى تنزلوا، أي أنتم وأهل الروم بمرج، أي الموضع الذي ترعى فيه الدواب قاله السندي، وفي النهاية أرض واسعة ذات نبات كثيرة، ذي تلول بضم التاء جمع تل، وهو موضع مرتفع، قاله القاري، وقال السندي: كل ما اجتمع على الأرض، من تراب أو رمل انتهى. فيقول أي الرجل منهم، غلب الصليب أي دين النصارى، فيدقّه، أي فيكسر المسلم الصليب، تغدر الروم أي تنقض العهد، وتجمع أي رجالهم ويجتمعون للملحمة أي للحرب".
هذا الحديث يُخبر بأن هناك صلحا آمنا، أي لا قتال فيه، سيكون بين المسلمين والنصارى، لمدة من الزمن، ثم يُقاتلون جنبا إلى جنب عدوا مشتركا، فينتصرون بلا خسائر، وبعد النصر يقع الخلاف بين المنتصرَيْن، بسبب إدعاء أحد النصارى، أن النصر كان للصليب دون الإسلام، فيقتتل الطرفان، ومن ثم يُفض الاشتباك، وتعلن الهدنة، ومن ثم يعود النصارى إلى ديارهم مضمرين الغدر، ليعودوا في قادم في الأيام، في جيش عرمرم، لغزو المسلمين في زمن المهدي.
الروم قديما وحديثا:
نعلم أن الإمبراطورية الرومانية القديمة، كانت قد انقسمت إلى قسمين شرقي وغربي، واتُّخذت القسطنطينية عاصمة للجزء الشرقي، وروما عاصمة للجزء الغربي، وذلك قبل ظهور الإسلام بحوالي مائتي سنة، وبقيت القسطنطينية عاصمة، لمملكة الروم الشرقية منذ ذلك الوقت، حتى تم فتحها، على يد محمد الفاتح، سابع السلاطين العثمانيين، وبذلك اختفت مملكة الروم الشرقية إلى الأبد، وأما سكان تركيا الحاليين فمعظهم من الأتراك المتأسلمون، الذين يعودون في أصولهم إلى غرب الصين، مع بقاء نسبة قليلة من النصارى فيها، ذوي الأصول الرومية، أما النسبة الأكبر من الروم، فقد هاجرت وانتشرت، فيما حولها من بلدان أوروبا الشرقية.