ولنذكر هنا أن المسلمين، حاصروا القسطنطينية إحدى عشرة مرة، ولم يتمكنوا من فتحها، إلا بعد أن بدأت شمس العثمانيون الترك، بالظهور فيما يُسمى بآسيا الصغرى، بعد ضعف الدولة السلجوقية وانحلالها عام 1300م تقريبا، فبدأت دولتهم بالاتساع غربا، على حساب مملكة الروم الشرقية، شيئا فشيئا، حتى اقتصرت مملكة الروم الشرقية، على القسطنطينية وضواحيها، عندما تسلّم محمد الفاتح لمقاليد الحكم، الذي لم يتوانى عن فتحها سنة 1453م. ومن ثم استمرت فتوحات العثمانيين، حتى شملت معظم بلدان منطقة البلقان، في أوروبا الشرقية.
والمتتبع للتاريخ الحديث، سيجد أن روسيا القيصرية بعد بزوغ شمسها، أصبحت الوريث الأكبر، لمملكة الروم الشرقية بعد زوالها، حيث كانت وما زالت في القرون الأخيرة، تحاول تنصيب نفسها كراعية وحامية، لمصالح نصارى الشرق ذوي المذهب الأرثوذكسي، وأخذت على عاتقها، بعد أن اشتد عودها، مهمة استعادة القسطنطينية من الأتراك، ومن ثم إعادتها كعاصمة دينية للكنيسة الأرثوذكسية، كما كانت في السابق، وهو ما تحاول الاستئثار به حاليا، الكنيسة اليونانية الموالية للغرب. وفيما يلي بعض البنود التي جاءت في وصية بطرس الأكبر، المؤسس الحقيقي للملكة الروسية، في أواخر القرن السابع عشر، من كتاب (تاريخ الدولة العثمانية) لفريد بك المحامي:
"البند التاسع: ينبغي التقرب بقدر الإمكان، من استنبول والهند، وحيث انه من القضايا المسلمة، أن من يحكم على استنبول، يمكنه حقيقة أن يحكم على الدنيا بأسرها، ..."
البند الحادي عشر: ... ، وحينما نستولي على استنبول، علينا أن نسلط دول أوروبا القديمة، على دولة النمسا حربا، أو نُسكن حسدها ومراقبتها لنا، بإعطائها حصة صغيرة من الأماكن، التي نكون قد أخذناها من قبل، وبعدها، نسعى إلى نزع هذه الحصة منها.
البند الثاني عشر: ينبغي أن نستميل لجهتنا جميع المسيحيين، الذين هم من مذهب الروم، المنكرين لرياسة البابا الروحية، والمنتشرين في بلاد المجر والممالك العثمانية، ونجعلهم أن يتخذوا دولة روسيا مرجعا ومعينا لهم، ومن اللازم قبل كل شيء، إحداث رياسة مذهبية، حتى نتمكن من إجراء نوع من السلطة الدينية عليهم ..."."
المذاهب النصرانية:
كل النصارى بلا استثناء أعداء للإسلام والمسلمين، ولكن بالنظر إلى الطوائف الثلاثة الكبرى، المهيمنة على العالم المسيحي، نجد أن معتنقي المذهب البروتستانتي، والذي تُمثّله أمريكا وبريطانيا وهولندا، هم الأشدّ عدواة وكراهية للمسلمين والعرب بشكل خاص، والمعروفين بميلهم وتأييدهم لليهود. ويليهم في ذلك معتنقي المذهب الكاثوليكي، والذي تُمثّله فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وباقي الدول الغربية، وأقلّهم عدواة وكراهية هم معتنقي المذهب الأرثوذكسي، والذي تُمثّله روسيا ودول أوروبا الشرقية.
والمتتبع للتاريخ القديم والحديث، سيجد أن الطوائف المسيحية الثلاثة على خلاف دائم، وأن العداوة والبغضاء، مستفحلة وذات جذور عميقة، فنصارى الشرق الأرثوذكس، لم ينسوا ولم يغفروا، لنصارى الغرب من الكاثوليك، ما أوقعوه بهم من مذابح في حملات الغرب الصليبية، ولم يقبلوا مؤخرا اعتذار البابا عنها. والعداوة والبغضاء مستفحلة، حتى بين الكاثوليك والبروتستنت من جهة أخرى، كما هو الحال في أيرلندا الشمالية، وهذا ما أخبر عنه سبحانه وتعالى في قوله (وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى، أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمْ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(14 المائدة) ، وهذه العداوة والبغضاء لا انقطاع لها، مستمرة إلى يوم القيامة، وهذا ما أكدّه التاريخ الأوروبي القديم والحديث.
والمتتبع للتاريخ الإسلامي والعربي، سيجد أن ما تُخبر عنه هذا الأحاديث النبوية أعلاه، من شأن مصالحة المسلمين أو العرب للنصارى، والتحالف معهم ضد عدو مشترك، وتحصّلهم معا على النصر والغنيمة والسلامة، ومن ثم الاختلاف، وإضمار الغدر، وعودة الروم