أولئك الناس، بـ (أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ _ بالبعث بعد الموت _ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا) . ومجيء قصة أصحاب الكهف في القرآن، لم يكن في الأصل، لطرح التساؤلات عن عددهم وعن مدة لبثهم، فهذا أمر لا طائل منه ولا فائدة فيه، فهو سبحانه ينهى عن ذلك بقوله (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًَا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًَا(22 الكهف) ، وقد قرّر سبحانه عددهم، بقوله (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ(22 الكهف) ، إذ استثنى هذه العبارة من قوله (رجما بالغيب) ، واقتصرها على الأقوال السابقة فقط. وأما مدة لبثهم فقد قرّرها في قوله (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا(25) ، وقوله (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا، لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ(26 الكهف) ، تأكيد على أن ما أخبر عنه، من مدة لبثهم هو الحق، فهو أعلم بغيب الماضي والمستقبل، كما أكدّ على إخباره عن عدّتهم فيما سبق.
لا يُمكن إحصاء عدد السنين:
نخلص من ذلك، إلى أن المسألة المراد التركيز عليها، هي شيء آخر غير إحصاء عددهم أو مدة لبثهم، هي إشارات لدرس رائع في الرياضيات الإلهية، ولتوضيح هذا الدرس، سنبدأ مع بداية القصة، حيث لخّص سبحانه القصة كاملة في أربع آيات، في قوله (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ ءَايَاتِنَا عَجَبًا(9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا ءَاتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) ، هذا الملخّص يقول: أن أصحاب الكهف فتية، لجئوا إلى الكهف، وطلبوا من ربهم أن يرحمهم، وأن يُهيئ لهم سبيلا للنجاة من قومهم، فأسلمهم سبحانه للنوم في الكهف، عددا من السنين، ثم بعثهم، ثم علّل أمر نومهم ثم بعثهم، بأنه يريد أن يعلم، من أحصى ممن لم يُحصِ مدة لبثهم في الكهف، من عدد السنين.
وتعليل النوم والبعث حقيقة، كنا قد أوضحناه سابقا، ولكن الملفت للنظر هنا هو تعليل البعث، في بداية على غير الوجه الحقيقي له، بقوله تعالى (لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا) ، إذ لا يُعقل أن يكون المقصد الحقيقي، هو معرفة من أحصى مدة البث ممن لم يُحصِها. وفي الواقع، فإن الأمد (أي الفترة الزمنية) لا يُحصى إحصاءً، وإنما يتحصّل بالحساب. ولو فكّرت في معنى الإحصاء رياضيا، لوجدت أن هذا الذي جاء في الآيتين، غير منطقي من الناحية الرياضية العملية، فعملية الإحصاء والعدّ لا يمكن القيام بها، إلا إذا كان المراد إحصاءه أو عدّه، ماثل أمامك عيانا، كأن تحصي مجموعة من الأشياء. أما أن تحصي شيئا، لا تلمسه بيديك أو تراه بعينيك، فهذا أمر مستحيل. وأما بالنسبة للسنين، فلا يُمكن بأي حال من الأحوال إحصائها أيضا، لأنها ليست أشياء قابلة للعدّ، وإنما تتحصل معرفتها بالحساب، فهي نتيجة لجمع عدد من الشهور، والشهور نتيجة لعدد من الأيام، وعلى سبيل المثال، إذا أردت معرفة عمر شخص ما، أو عمر أُمّة ما، فما ستقوم به هو عملية طرح للتواريخ، لتحصيل عدد السنين، التي تُمثّل عمر ذلك الشخص، أو عمر تلك الأمة.
الإحصاء لمدة اللبث:
وبالتالي نستطيع القول بأن هذا التركيب اللغوي، جاء ليلفت انتباهنا إلى ما جاء في هذه القصة، من إعجاز عددي لغوي، ولإحصاء أشياء ماثلة أمام أعيننا، ألا وهي كلمات القصة، التي توافق عدد السنين، التي لبثها أصحاب الكهف في كهفهم، والتي إن قمت بإحصاءها، ستكون في الحقيقة قمت بعدّ مدة اللبث بالسنين، لأن عدد الكلمات يوافق عدد السنين، ويقول سبحانه تعقيبا على هذا الإعجاز، فيما يلي القصة من آيات (لَهُ غَيْبُ الْسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، أي ما كشفه من شأن هؤلاء الفتية من غيب الماضي، (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ(26) وكأنه حثّ على إمعان النظر، فيما بين يديك من إعجاز، وكشفه والإخبار عنه، ويؤكد سبحانه من خلال هذا التوافق العددي أن (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِه(27 الكهف) ، كما أكدّ أيضا في سورتي الأنعام ويونس بقوله (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ(34) ، (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ(64) ليتبين لك أن لا تبديل لمواقع الكلمات فيه، ولا زيادة فيه ولا نقص، وهذا ما تثبته هذه