قابلية هذا المثال للتطبيق على سورة الإسراء:
قال تعالى (فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا(11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) لو أمعنت النظر فيما تحته، لوجدت أن الظاهر يقول، أن بعثهم كان لأن الله سبحانه وتعالى، أراد أن يعلم أي الحزبين أحصى! أحصى ماذا؟ أحصى مدة ما لبثوا في الكهف من عدد السنين. أي أن المراد من الإحصاء هو معرفة عدد السنين. في المقابل نجد في الآية (12) من سورة الإسراء عبارة تقول (ولتعلموا عدد السنين والحساب) ، للإشارة إلى أن السورة، تحمل بين ثناياها معرفة لعدد سنين، تتحصل بالعدّ والحساب، تخصّ أُناس سبق ذكرهم فيما ورد من آيات، سبقت هذه العبارة.
وللفت الانتباه إلى أن الإحصاء متعلق بمدة اللبث، تكرّر ذِكر مشتقات هذه الكلمة (6) مرات في سورة الكهف، وهي (لَبِثُوا، لَبِثْتُمْ، لَبِثْنَا، لَبِثْتُمْ، وَلَبِثُوا، لَبِثُوا) في الآيات (12،19،25،26) . وفي المقابل نجد أن مشتقات هذه الكلمة، تكرّرت مرتين في سورة الإسراء، في قوله سبحانه (وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا(52) وقوله (وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا(76) ، يُقال أن المقصودين في هاتين الآيتين هم مشركي قريش حصرا، وهذا القول غير صريح. ولو أنك تتبعت النص منذ البداية، لوجدت أن القول الأول قيل لمنكري البعث، وعلى رأس القائمة في إنكار البعث هم اليهود.
ولو أنك تتبعت النص من قوله تعالى (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ... وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ، لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا، وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا(76) ، لوجدت أن القول الثاني قيل في اليهود حصرا، حيث تؤكد معظم الروايات أن هذه الآيات مدنية، ولو تمعنّت في قوله تعالى (وإن كادوا ليفتنونك) وتساءلت عمن له القدرة، على فتنة الرسول عليه الصلاة والسلام، أهم أهل الكتاب أم عبدة الأصنام! ولو تمعنّت في قوله تعالى (وإن كادوا ليستفزّونك من الأرض ليُخرجوك منها) وتساءلت عمن حاولوا استفزاز الرسول عليه الصلاة والسلام، لإخراجه ولم يُكتب لهم النجاح! لو قلت أنهم اليهود، عندما أرادوا منه أن يخرج معهم، من أرض الجزيرة ككل إلى الأرض المقدّسة، ليُعيد لهم ملكهم المنقرض، لكان ذلك أقرب إلى العقل والمنطق، وهناك روايات تؤكد ذلك. ولو قلت أنهم مشركي قريش، فقد جانبت الصواب، لأنهم قد استفزّوه بالفعل، وأخرجوه من بلدته حقيقة.
أوجه التشابه:
أولا: ذكر أحد مشتقات لفظ اللبث في السورتين، وهو لفظ يأتي أينما ورد في القرآن، للإشارة إلى مدة زمنية، (قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ(259 البقرة) ، (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ(42 يوسف) ، (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ(40 طه) ، (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا(103 طه) (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ(112 المؤمنون) ، (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا(14 العنكبوت) .
ثانيا: ذكر لفظ يُشير إلى الإحصاء أو العدّ في السورتين، (سِنِينَ عَدَدًا ... أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) في الكهف، (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) في الإسراء، بإضافة لفظ الحساب.
سورة الإسراء:
ما سنقوم بإحصائه هو الكلمات، في قصة المرتين ووعديهما، والتركيز في المجمل - كما سبق وأشرنا في فصل التفسير - كان على المرة الثانية ووعدها. وهذه الكلمات التي سنقوم بعدّها أو بإحصائها، تمثل مدة لُبث اليهود بالسنين القمرية.
جاء في بداية سورة الإسراء، مقدّمة تمهيدية مكونة من ثلاث آيات، ومن ثم تبدأ رواية القصة من الآية (4) ، بقوله تعالى (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا(4) ، وتنتهي في الآية (104) ، بقوله تعالى (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا(104) . وإذا قمت بإحصاء الكلمات من عبارة (