دخان يأتي من السماء، قبل يوم القيامة، يدخل في أسماع الكفرة، حتى يكون رأس الواحد، كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن كهيئة الزكام، فالدخان على ظاهره، والمعنى فارتقب يوم ظهور الدخان.
وحمل ما في الآية، على ما يعم الدخانين، لا يخفى حاله. هذا والأظهر، حمل الدخان على ما روي عن ابن مسعود أولى، لأنه أنسب بالسياق، لما أنه في كفار قريش، وبيان سوء حالهم. (يغشى الناس) أي يحيط بهم، والمراد بهم كفار قريش، ومن جعل الدخان، ما هو من أشراط الساعة، حمل (الناس) ، على من أدركه ذلك الوقت، ومن جعل ذلك يوم القيامة، حمل الناس على العموم، والجملة (يغشى الناس) صفة أخرى للدخان، وقوله تعالى هذا عذاب أليم، وقيل: يجوز أن يكون هذا عذاب أليم، إخبارا منه عز وجل، تهويلا للأمر، كما قال سبحانه وتعالى، في قصة الذبيح، إن هذا لهو البلاء المبين"."
(رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ(12)
"أي يقول الكافرون، إذا عاينوا عذاب الله وعقابه، سائلين رفعه وكشفه عنهم، (ربنا اكشف عنا العذاب) "ابن كثير.
"وقوله (ربنا اكشف عنا العذاب) يعني أن الكافرين الذين يصيبهم ذلك الجهد، يضّرعون إلى ربهم، بمسألتهم إياه كشف ذلك الجهد"، الطبري.
"كما صرح به غير واحد من المفسرين، وعدُ منهم بالأيمان، إن كشفَ جلّ وعلا عنهم العذاب، فكأنهم قالوا: ربنا إن كشفت عنا العذاب آمنا، لكن عدلوا عنه"، الألوسي.
(أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ(13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)
"يقول كيف لهم بالتذكر، وقد أرسلنا إليهم رسولا، بين الرسالة والنذارة، ومع هذا تولّوا عنه، وما وافقوه بل كذّبوه، وقالوا مُعلَّم مجنون"ابن كثير.
"قال ابن عباس: أي يتعظون، والله أبعدهم من الاتعاظ والتذكر، بعد توليهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، وتكذيبهم إياه، (وقالوا مُعلَّم مجنون) أي علّمه بشر، أو علّمه الكهنة والشياطين، ثم هو مجنون وليس برسول"، القرطبي.
"يقول تعالى ذِكره، من أي وجه لهؤلاء المشركين التذكّر، من بعد نزول البلاء بهم، وقد تولوا عن رسولنا، حين جاءهم مدبرين عنه، لا يتذكرون بما يتلى عليهم من كتابنا، ولا يتعظون بما يعظهم به من حُججنا، ويقولون إنما هو مجنون عُلّم هذا الكلام"الطبري.
" (أنى لهم الذكرى) نفي صدقهم في الوعد، وأن غرضهم إنما هو كشف العذاب والخلاص، أي كيف يتذكرون، أو من أين يتذكرون بذلك، ويفون بما وعدوه من الأيمان، عند كشف العذاب عنهم، وقد جاءهم رسول مبين، أي والحال، أنهم شاهدوا من دواعي التذكر وموجبات الاتعاظ، ما هو أعظم من ذلك في إيجابهم، حيث جاءهم رسول عظيم الشأن، ظاهر أمر رسالته بالآيات والمعجزات، التي تخز لها صم الجبال، أو مظهرا لهم مناهج الحق، (ثم تولوا عنه) أي عن ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يقل ومجنون بالعطف لأن المقصود تعديد قبائحهم"، الألوسي.
(إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ(15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)
"والاحتمال الثاني أن يكون المراد، إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا، بعد انعقاد أسبابه، ووصوله إليكم، وأنتم مستمرون، فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم"ابن كثير.