" (إنا كاشفوا العذاب) يعني الضرّ النازل بهم، يقول تعالى ذكره، إنكم أيها المشركون، إن كشفت عنكم العذاب النازل بكم، والضرّ الحالّ بكم، ثم عدّتم في كفركم ونقضتم عهدكم، الذي عاهدتم ربكم، انتقمت منكم، يوم أبطش بكم، بطشتي الكبرى، في عاجل الدنيا، فأهلككم"، الطبري.
"إنا كاشفوا العذاب قليلا، وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلا، أي في زمان قليل، ليعلم أنهم لا يفون بقولهم، بل يعودون إلى الكفر، بعد كشفه، قاله ابن مسعود. ومن قال، إن الدخان منتظر، قال، أشار بهذا إلى ما يكون، من الفرجة بين آية وآية، من آيات قيام الساعة، ثم من قضى عليه بالكفر، يستمر على كفره. ومن قال هذا في القيامة، قال أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتهم إلى الكفر، وقيل، معنى إنكم عائدون إلينا، أي مبعوثون بعد الموت"، القرطبي.
"وقيل: المعنى وارتقب الدخان، وارتقب يوم نبطش، فحذف واو العطف، كما تقول: اتق النار، اتق العذاب، والبطشة الكبرى في قول ابن مسعود، يوم بدر، وهو قول ابن عباس، وأبي بن كعب، ومجاهد والضحاك، وقيل: عذاب جهنم يوم القيامة، قاله الحسن وعكرمة وابن عباس أيضا، واختاره الزجاج"، القرطبي.
"أي إن كشفنا عنكم العذاب، كشفا قليلا، أو زمانا قليلا عدتم، والمراد على ما قيل، عائدون إلى الكفر، وأنت تعلم أن عودهم إليه، يقتضي إيمانهم، وقد مر أنهم لم يؤمنوا، وإنما وعدوا الإيمان، فإما أن يكون وعْدُهم مُنزلا، مَنزلة إيمانهم، أو المراد عائدون إلى الثبات، على الكفر أو على الإقرار والتصريح به. (يوم نبطش) يوم نسلّط القتل عليهم ونوسع الأخذ منهم، وفي القاموس، بطش به، أخذه بالعنف والسطوة، كأبطشه، والبطش، الأخذ الشديد في كل شيء"، الألوسي.
"فسر ذلك ابن مسعود رضي الله عنه، بيوم بدر، وهذا قول جماعة، ممن وافق ابن مسعود رضي الله عنه، على تفسيره الدخان بما تقدم، وروي أيضا، عن ابن عباس رضي الله عنهما، من رواية العوفي عنه، وعن أبي بن كعب رضي الله عنه، وهو محتمل. والظاهر أن ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة. وروى ابن جرير عن عكرمة، قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (قال ابن مسعود رضي الله عنه، البطشة الكبرى يوم بدر، وأنا أقول هي يوم القيامة) ، وهذا إسناد صحيح عنه، وبه يقول الحسن البصري وعكرمة، في أصحّ الروايتين عنه، والله أعلم"، ابن كثير.
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي ءَاتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)
"يقول تعالى، ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين، قوم فرعون، وهم قبط مصر، وجاءهم رسول كريم، يعني موسى كليمه، عليه الصلاة والسلام"، ابن كثير.
" (رسول كريم) أي مُكرم معظّم عند الله عز وجل، أو عند المؤمنين، أو عنده تعالى وعندهم، أو كريم في نفسه متصف بالخصال الحميدة والصفات الجليلة حسبا ونسبا، وقال الراغب: الكرم إذا وصف به الإنسان، فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة، التي تظهر منه، ولا يقال هو كريم، حتى يظهر ذلك منه"، الألوسي.
" (وإني عذت بربي وربكم) أي التجأت إليه تعالى، وتوكلت عليه جل شأنه (أن ترجمون) ، من أن ترجموني، أن تؤذوني ضربا أو شتما، أو أن تقتلوني، وروي هذا عن قتادة وجماعة، قيل: لما قال: أن لا تعلوا على الله، توعّدوه بالقتل، فقال ذلك، وفي البحر أن هذا، كان قبل أن يخبره عز وجل بعجزهم عن رجمه بقوله، (وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون) ، فكونوا بمعزل مني لا علي ولا لي، ولا تتعرضوا لي بسوء، فليس ذلك جزاء، من يدعوكم إلى ما فيه فلاحكم، فدعا ربه بعد أن أصرّوا على تكذيبه عليه السلام، (أن هؤلاء قوم مجرمون) "، الألوسي.