"وفيه اختصار كأنه قيل: أن هؤلاء مجرمون، تناهى أمرهم في الكفر، وأنت أعلم بهم، فافعل بهم ما يستحقونه، قيل: كان دعاؤه عليه السلام، اللهم عجّل لهم ما يستحقون بإجرامهم، وقيل: قوله ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، إلى قوله، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، وإنما ذكر الله سبحانه السبب، الذي استوجبوا به الهلاك، ليُعلم منه دعاؤه والإجابة معا، وإن دعاءه على يأس من أيمانهم، وهذا من بليغ اختصارات الكتاب المعجز"، الألوسي.
( ... وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ(24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) ... كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)
"يقول تعالى ذكره، كم ترك فرعون وقومه من القبط، بعد مهلكهم، وتغريق الله إياهم، من بساتين وأشجار وعيون ومقام كريم، يقول وموضع كانوا يقومونه شريف كريم. وقوله (كذلك وأورثناها قوما آخرين) يقول تعالى ذكره، وأورثنا جناتهم وعيونهم وزروعهم ومقاماتهم، وما كانوا فيه من النعمة قوما آخرين، وقيل عُنيَ بالقوم الآخرين بنو إسرائيل"، الطبري.
" (كذلك وأورثناها قوما آخرين) وهم بنو إسرائيل، كما تقدم، وقوله سبحانه وتعالى (فما بكت عليهم السماء والأرض) أي لم تكن لهم أعمال صالحة، تصعد في أبواب السماء، فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض، بقاع عبدوا الله تعالى فيها، فقدتهم، فلهذا استحقوا أن لا يُنظروا، ولا يُؤخروا، لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم"، ابن كثير.
"قال الزجاج: أي الأمر كذلك، فيوقف على كذلك، وقيل: إن الكاف في موضع نصب، على تقدير نفعل فعلا كذلك، بمن نريد إهلاكه، وقال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصاني، وقيل: كذلك كان أمرهم، فأهلكوا، وأورثناها قوما آخرين، يعني بني إسرائيل، ملّكهم الله تعالى أرض مصر، بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين لوصول ذلك إليهم، كوصول الميراث ونظيره، وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها، الآية"، القرطبي.
( ... وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ(30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَءَاتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33) ...
"يعني ما كانت القبط، تفعل بهم بأمر فرعون، من قتل الأبناء، واستخدام النساء، واستعبادهم إياهم، وتكلفهم الأعمال الشاقة، وقيل: أي أنجيناهم من العذاب، ومن فرعون، إنه كان عاليا من المسرفين، ولقد اخترناهم يعني بني إسرائيل"، القرطبي.
"واختلف أهل التأويل، في ذلك البلاء، فقال بعضهم ابتلاهم بنعَمِه عندهم، وقال آخرون، بل ابتلاهم بالرخاء والشدة، وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال إن الله أخبر، أنه آتى بني إسرائيل من الآيات، ما فيه ابتلاؤهم واختبارهم، وقد يكون الابتلاء والاختبار بالرخاء، ويكون بالشدة، ولم يضع لنا دليلا، من خبر ولا عقل، أنه عنى بعض ذلك دون بعض، وقد كان الله اختبرهم، بالمعنيين كليهما جميعا"، الطبري.
( ... إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ(34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ، أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أَهْلَكْنَاهُمْ، إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) ...
" (إن هؤلاء) ، كفار قريش، لأن الكلام فيهم، وذكر قصة فرعون وقومه، استطرادي للدلالة على أنهم مثلهم، في الإصرار على الضلالة، والإنذار على مثل ما حلّ بهم، وفي اسم الإشارة (هؤلاء) تحقير لهم (ليقولون) : (إن هي إلا موتتنا الأولى) أي ما العاقبة ونهاية الأمر، إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الأولى، (وما نحن بمنشرين) أي بمبعوثين بعدها"، الألوسي.