الصفحة 257 من 330

سورة الدخان تُنذر قوما من أمة الإسلام كفروا بعد إيمانهم

بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)

هذا الوصف لم يكن بحال من الأحوال، لمشركي قريش، فهؤلاء كذّبوا وكفروا بما جاء به، محمد عليه الصلاة والسلام، جملة وتفصيلا. والشكّ في المعتقد عادة، يتأتّى بعد الإيمان، بوحي من شياطين الإنس والجنّ والهوى، مما يدفع الإنسان في النهاية إلى الكفر. وأما اللعب، جاء بمعنى الإعراض عما ينفع والاستهزاء به، والانشغال بما لا ينفع، بل وبما يضرّ، وهي صفة يمتاز بها الصبية والأولاد الصغار، لصغر عقولهم، وقلة مداركهم، وضيق أفقهم، وعدم مقدرتهم، على أخذ العبرة والعظة.

أما هؤلاء القوم من أمة محمد، فهم في شك من أمر الله، والشك هو انعدام اليقين، بمعنى أنهم غير موقنين، مما أخبر عنه في كتابه المبين، الذي جاء به الرسول المبين، بلسان عربي مبين، من أمور الغيب، وعلى رأسها انعدام اليقين بربوبية وألوهية الله ووحدانيته وإنكار البعث، أي الشك بملكية الله للسماوات والأرض وما بينهما، وقدرته على تصريف الأمور، والشك بأمر البعث بعد الموت. لذلك فهم لا يتورعون، عن اتخاذ دينهم هزوا ولعبا، إذ لا بعث ولا حساب ولا عقاب يردعهم.

قال تعالى (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا، لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(57 المائدة) ، فالذين يوالون الذين اتخذوا دين الله هزوا ولعبا، من اليهود والنصارى والكفار إجمالا، وهم يُظهرون الإيمان ليسوا بمؤمنين، فما بالك بمن يتخذ دين الإسلام، هزوا ولعبا ويحاربه، وهو ينتسب إليه.

وقال تعالى (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(70 الأنعام) ، وقال (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ(51 الأعراف) .

فهؤلاء القوم يتصفون بأمرين:

الأول: أنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.

الثاني: أن شغلهم الشاغل هو الحياة الدنيا، وأنهم يتخذون أمور دينهم، مادة للهزء والسخرية واللهو.

فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)

نلاحظ أن المفسرين اختلفوا على ثلاثة مواقف، فمنهم من وافق تفسير ابن مسعود، ومنهم من وافق تفسير ابن عباس، ومنهم من أخذ بالاحتمالين. وكلٌّ منهم أكمل تفسير السورة، على ما ارتأى من صوابية اعتقاده، بالنسبة لهذا الدخان. وأما من حيث زمن الوقوع، فالاحتمال الأول، يقول بأن الدخان والبطشة، قد مضيا في مشركي قريش، والاحتمال الثاني يقول بأنه قبل يوم القيامة، والاحتمال الثالث يقول بأنه من أحداث يوم القيامة، وللفصل في هذه الأقوال والمواقف، سنستنبط صفات هذا الدخان من الآيات نفسها، وصفات هؤلاء القوم وأفعالهم، في نهاية الفصل، بمعزل عن الروايات والتفسيرات السابقة، فظاهر الآيات الكريمة، يدل على أن ما ورد في الآيات، هو نبأ دخان سيظهر في المستقبل، والأقدر على بيان أمره، هو من يعاصر ظهوره، بعد اكتمال معالمه، كما هي العادة، في فهم وتفسير النبوءات المستقبلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت