الصفحة 258 من 330

رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)

وهذا هو دعاء المعُرضين عن ذكر الله، كما هي العادة، من المسرفين والمشركين والكفار، من الناس إجمالا، كلما مسّتهم الضراء والبأساء، سواء من أمة الإسلام أو من غيرها، كما في قوله تعالى (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(12 يونس) .

ولاحظ ضمير المخاطب (كم) ، والذي يعود على المخاطبين بالقرآن، في قوله تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ، فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ(53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54 النحل) ، وقوله (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا(67 الإسراء) .

والأقرب والأظهر، بالنظر في دعواهم تلك، وإقرارهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم من الإيمان، عند غشيان الدخان لهم، أن يكون هؤلاء من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فسقوا عن دينهم مع كونهم مسلمين، نفاقا على الأغلب، وشركهم في الله جاء بعد الإيمان به. أما قريش فلم يكن هذا حالهم، وما كان ليصدر منها هذا الدعاء، فمنهم من أسلم، ومنهم أصرّ على كفره، أما النفاق فلم يعرفوه، ولم يكن لهم فيه مصلحة، ومن المعروف أن النفاق، يظهر عندما قويت شوكة الإسلام وسطوته، وهو ما حصل في المدينة المنورة، وسورة الدخان مكية، وحال هؤلاء، كحال من قال فيهم سبحانه، في مطلع سورة البقرة:

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: ءَامَنَّا بِاللَّهِ، وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ، وَالَّذِينَ ءَامَنُوا، وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا كَمَا ءَامَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا ءَامَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16 البقرة) .

حيث قال سبحانه (ومن الناس) ، ولم يحصر هذا السلوك بطائفة من الناس، أو بزمن معين، وهذا السلوك بدأ بالظهور، بعدما قويت شوكة الإسلام في المدينة المنورة، واستمر على مرّ العصور، حتى يومنا هذا.

أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)

من أين لهؤلاء القوم الذكرى؟! أي التوبة والإنابة إلى الله، وقد سبق منهم الإعراض، عما جاء به الرسول الكريم، الذي لا يُشكّك في كرم أخلاقه، أو حسبه أو نسبه أو لسانه العربي، محمد عليه الصلاة والسلام، بعد مجيئه والإيمان به، والانتساب إلى دينه. وفضلا عن سبق الإعراض عن رسالته، بعد احتضانها لمدة من الزمن، تولّوا عنه وأعرضوا عما جاء به، واتهموه بالتعلّم من الكهّان والشياطين، بحوادث ميتافيزيقية، وأضافوا إليه صفة الجنون، إمعانا منهم، في الإجرام والافتراء والاستهزاء، فإن سلم من الكهانة، لم يسلم من الجنون. فيردّ عليهم ربهم قولهم هذا، بقوله لرسوله (فَذَكِّرْ، فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ(29 الطور) ، (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4 القلم) ، (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(40 الحاقة)

وسُتفاجأ أخي المسلم، أن المقصود بهذا القول ليسوا مشركي قريش، بل مشركي ومنافقي هذا العصر من أمة الإسلام، وأنهم قالوا هذا القول وأكثر، في رسول الله عليه الصلاة والسلام، تحت رعاية ودعم حكومي مادي ومعنوي، وأن هذا الافتراء ذاته، هو الذي أخبر عنه سبحانه، وهو من أكبر الأسباب الموجبة لعقابهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت