الصفحة 259 من 330

إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15)

ويُخبر سبحانه بأنه سيرفع العذاب عنهم قليلا، بعد انعقاد أسبابه، بكشف الدخان، بعد نيلهم قسطا من أذاه، نزولا عند رغبتهم السابقة، وإقرارهم بالإيمان عند غشيانه لهم، فالدخان مجرد تحذير، ولفت انتباه لهم، بأن الله هو رب السموات والأرض، وبأنه قادر على إماتتهم وإهلاكهم، كما أمات آبائهم، ولئلا تكن لهم حجّة، بأنه لم يعطهم الفرصة للتوبة والإنابة،. ومن ثم يٌقرّر سبحانه بأنهم سيعودون، لما كانوا عليه، من الشك واللعب، وسيضيفون إليها التولي والإعراض والعصيان والاتهام لرسوله الكريم، ليستوجبوا عن جدارة واستحقاق، أن يبطش بهم رب العزة بطشته الكبرى.

قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم(61 التوبة) ، وقال (الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا(57 الأحزاب) .

يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)

أما بطش رب العزة، فهذا وصفه (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12 البروج) . ونستطيع تصوّر طبيعة هذه البطشة، من قوله تعالى في سورة القمر (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ(33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا ءَالَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40 القمر) ، وتماروا بالنُذر، أي كذّبوا إنذارات لوط عليه الصلاة والسلام، وتحذيراته لهم، وأكثروا الجدال والاستهزاء بها ومنها، فبطش بهم ربهم، وما وقع من قوم لوط، هو ما وقع من هؤلاء، بعد أن جاءهم هذا رسولهم الكريم، نذيرا من غضب الله، فغشيهم الدخان، وستبغتهم البطشة الكبرى، وهم ما زالوا يُمارون ويتمارون، في شكٍ يلعبون، من أمر هذا الرسول المبين، وأمر هذا الكتاب المبين، وأمر هذا الدخان المبين.

ـ وما نزل بقوم لوط نستخلصه من الآيات التالية:

( ... إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ(81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا، جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا، حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83 هود) .

كان ذلك في الصباح الباكر، حيث رُفعت قرية لوط عليه الصلاة والسلام بمن فيها، إلى السماء، وتقول بعض الروايات أن الملائكة في السماء الأولى سمعت نباح كلابهم، ومن ثم قُلبت، ورُميت من ذلك الارتفاع الشاهق إلى الأرض، فأحدثت ذلك الجرف الجغرافي، الممتد من على طول نهر الأردن ووادي عربة، ومن ثم أُمطرت بالحجارة، التي لا تزال ظاهرة، إلى يومنا هذا، بانغراسها في الطين المتحجّر، في تلك المنطقة على سواحل البحر الميت، وفي سفوح الجبال حوله. وخلاصة القول، أن البطشة تعني خراب الديار وهلاك أهلها، بغض النظر عن الوسيلة، مشهد يحمل في ثناياه أبشع صور للانتقام الإلهي، حين يوغل الناس بإصرار في الإجرام، بحق الله وحق رسله الكرام، دون وازع أو رادع، ضاربين بإنذارات ربهم عُرض الحائط، مستحقّين بذلك غضبا إلهيا عارما، سيسكبه على رؤوسهم عاجلا أم آجلا.

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ... فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)

ومفاد الآيات أعلاه، هو أن حال هؤلاء القوم، مع محمد الكريم الأمين المبين، عليه الصلاة والسلام، كحال فرعون وقومه مع موسى الكريم الأمين المبين، عليه الصلاة والسلام، وذلك نفيا لما قاله هؤلاء عنهما، سواء من فرعون وقومه، أو ممن أشرك وكفر من أمة محمد. ومن تشبيه الحال بالحال، نستطيع التعرف على موقف هؤلاء القوم من محمد، من خلال معرفة موقف فرعون وقومه بين موسى، الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت