ـ فما آمن لموسى، سوى فئة قليلة من مجموع بني إسرائيل، وتبعهم فرعون إلى البحر، وعندما أدركه الغرق، ندم الإله فرعون، فخان قومه، وأعلن توبته وإيمانه بإله آخر، هو الإله، الذي آمنت به بنوا إسرائيل، حسب قوله.
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ(75) ... فَمَا ءَامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ، أَنْ يَفْتِنَهُمْ، وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) ... وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ، قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90 يونس) .
ـ وأما عامة المصريين، فقد اتبعوا إلههم وربهم الأعلى فرعون، بعد أن استخفّ عقولهم فأطاعوه، وأضلّهم عن السبيل، فكانوا قوما فاسقين كإلههم، ومن الغريب أن صفة خفة العقل، صفة متوارثة لغاية الآن في عامة الشعب المصري، إلا من رحم ربي، كما ورث أهل العراق صفة البأس الشديد من أجدادهم البابليين.
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي، فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا، لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ(38 القصص) . (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى(20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى (24 النازعات) . (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(54 الزخرف) . (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى(79 طه) .
ـ أما علية القوم، حاشية السوء فكان رأيهم أنهم هم المصلحون، وأن موسى ومن معه من المؤمنين بالله، هم المُفسدون في الأرض، وكذلك رأي فراعنة هذا العصر، في المصلحين من الناس، بمعنى أنهم سيدفعون الناس إلى عبادة الله، فيتركوا عبادة آلهة فرعون، مما يجعلهم يستنكفوا عن طاعته، فتُقوض بذلك أركان ملكه، مما يؤول به إلى الزوال، فتفسد الأرض، لذلك يجب التخلص من شرورهم، بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم وقهرهم، وقتل الرأس المحرّكة للفتنة.
(وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ(127 الأعراف) . (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى، وَلْيَدْعُ رَبَّهُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ، أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ(26)
ـ وأما مؤمن آل فرعون، كان له رأي آخر، إذ قال لقومه، فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا؟!
(يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا، ... قَالَ فِرْعَوْنُ: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى، وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ(29 غافر) . وعلى هذا، فليحذر فراعنة أمة الإسلام الجدد، الذين يهدون الناس إلى سبيل الرشاد الخاص بهم، من بأس الله!!
ـ وجاء نصر الله لرسوله الكريم، فأنجاه من مكر فرعون وملئه، وأنزل بهم ما استجلبوه على أنفسهم، من عذاب الدنيا والآخرة.
(فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ(45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46 غافر)
ـ وأخيرا، تهديد وتحذير شديد اللهجة، لمن كفر بالنذير محمد، من ملاقاة نفس المصير، فليس هناك استثناء لأحد، حتى ولو انتسب لأمته وادعى الإسلام، فملة الكفر عند رب العزة واحدة، ومصيرها واحد، إذ لا خيرية في الكفر.