الصفحة 262 من 330

(وَلَقَدْ جَاءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ(41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43 القمر) . (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا، شَاهِدًا عَلَيْكُمْ، كَمَا، أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا(15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ، فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16 المزمل) .

وقد جانب الصواب من ظنّ، بأن الذين ورثوا أرض مصر، هم بني إسرائيل، فتاريخ مصر القديم والحديث، لا يدل على ذلك، وكذلك تاريخ بني إسرائيل، في القرآن والسنة والتوراة والتلمود، كما بينّاه سابقا، وأما المقصودين بوراثتها ها هنا، هم أهل مصر، من أبناء من بقي، من قوم فرعون وعبيده، الذين لم يُهلك منهم في اليم غرقا، سوى من تبع بني إسرائيل، أثناء خروجهم من مصر، أما الأرض التي ورثها بنو إسرائيل، بعد خروجهم من مصر، فهي الأرض المقدّسة والمباركة أي فلسطين.

وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ... وَءَاتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33)

ويُذكّر سبحانه بإنجائه بني إسرائيل، من فرعون وقومه، وبما آتى نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام، من معجزات بيّنات، في مصر وأثناء خروجهم منها، شاهدوها بأم أعينهم، ويذكّر سبحانه بأنه وبالرغم من تفضيلهم، وابتلائهم بالسرّاء والضرّاء، فما كان من أكثرهم إلا الكفر والفسوق والعصيان، وإيذاء نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام، فأنزل بهم وعليهم ربهم العذاب تلو العذاب، مما فصلناه في فصل سابق. وكما حاول فرعون إيذاء موسى ومن منعه من المؤمنين، كذلك فعل بنو إسرائيل أنفسهم، بموسى بعد النجاة، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي؟! وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، فَلَمَّا زَاغُوا، أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(5 الصف) ، ومجمل من تقدّم ذكرهم في سورة الدخان، يقول فيهم سبحانه:

إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ: إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى ... أَهْلَكْنَاهُمْ، إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37)

يُقرّر سبحانه وتعالى بأن (هَؤُلَاءِ) أي أصحاب الدخان، يُنكرون البعث والنشور، كما يُقرّر سبحانه وتعالى، أنهم ليسوا بخير من قوم تبع، والذين من قبلهم، حيث أهلكهم الله بإجرامهم. ومن المفهوم ضمنا، بأن في هذا وعيد، لمن يُجرمون في حق الله ورسله وكتبه، وينكرون البعث. حيث أنهم لو آمنوا، بحقيقة رجعتهم إلى الله في اليوم الآخر لتقديم الحساب، ونيل ما ترتب على أقوالهم وأفعالهم تلك، من ثواب وعقاب، وتحصّل لديهم اليقين بذلك، لما تجرّأوا على الإجرام، كما أجرم الذين من قبلهم. فهم في شك يلعبون، ومصيرهم الهلاك لا محالة، وانظر قوله تعالى موضحا حقيقة حالهم، وهو أعلم بما يعتمل في صدورهم، وحقيقة موقفه منهم، ومن أمثالهم ماضيا ومستقبلا:

قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، إِلَّا مَقْتًا، وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ، إِلَّا خَسَارًا (39) ... وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ، لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ، لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ، مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ، وَمَكْرَ السَّيِّئِ، وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ، فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ، بِمَا كَسَبُوا، مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ، وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45 فاطر) .

وقال (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ، لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ(85 غافر) .

-إذن لا أحد ممن أجرم في حق الله، بمفازة من العذاب، وما تركِهم في طغيانهم يعمهون، إلا لحين مجيء أجلهم المُعلوم سلفا، وتأخير العذاب عنهم، ما كان لعجز، أو لقصر ذات يد. إذ أنهم كلما أمعنوا في الكفر، كلما ازدادوا مقتا وغضبا وخسارة، وكلما اقترب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت