الصفحة 263 من 330

إليهم أجلهم، وهم لا يشعرون، ولن يقبل إيمانهم، عند معاينة العذاب، بعد أن حق القول عليهم، وصدر الحكم بكفرهم، ونفذ قضاء الله فيهم.

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)

أي أن الله سبحانه سهّل هذا القرآن، بلسان عربي مبين، وجعله قابلا للفهم والهضم، لمن أراد فهمه، رغبة في الذكرى والتذكّر، ومن لم يُرد الذكرى منه، وارتاده لأمر ما غير ذلك، حُجب عنه الفهم، ووجده طلاسم ورموز لا يفقه منها شيئا، فكذّب وجادل وكفر، ونسب إلى كتاب الله، ما ليس فيه، وأعرض عن اتباعه، ونهى عن العمل به، وحاربه بشتى الوسائل والسبل:

قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(21) ... وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ، وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ، يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ، وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ، فَقَالُوا: يَلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ، مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29 الأنعام) .

(فارتقب) خاص برسوله عليه الصلاة والسلام، وفيه وعد بنصرته ونصرة أتباعه، بإهلاك خصومه، وعام لمن يُخاطبهم القرآن، (إنهم مرتقبون) أي مرتقبين هلاكهم، غير مصدّقين، مستهزئين غير عابئين، بما وعدهم الله من أمر البطشة الكبرى، وفيه تهكّم من الله بهم وتحقيرا لشأنهم. وقوله (فارتقب) يفيد أن ذلك سيقع مستقبلا، وفيه حثّ على الترقّب والانتظار، كقوله (فارتقب يوم تأتي السماء) لمعاينة الحدث الأول، (أي الدخان) الذي بيّن رب العزة خبره، وبيّن ما سيكون قولهم عند نزوله بهم، وما سيكون موقفهم بعد كشفه عنهم، ومن ثم (فارتقب) في آخر السورة، لمعاينة الحدث الثاني (أي البطشة الكبرى) ، لتعلم وليعلم المؤمنون، بأن ما أخبر عنه هذا القرآن الكريم المبين هو الحق، وأن من أنزله هو الحق، وأن ما يُنكره هؤلاء بكفرهم، هو الحق فلا يُضيرك ويُضير المؤمنين به، كفرهم وفسوقهم وعصيانهم، فلن تأسف عليهم السماء ولا الأرض، كما لم تأسف على من أهلكناهم من قبل، قال تعالى (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(105المائدة) .

صفات الدخان:

1.بيّن واضح لا لُبس فيه، لا يختلف عليه اثنان، وهو المعروف المألوف بين الناس، وهو الذي ينجم عن عملية الحرق في العادة، ذو طبيعة غازية، ولون أسود، ورائحة كريهة نفّاثة مؤذية، بدلالة قوله تعالى (بِدُخَانٍ مُبِينٍ) .

2.هو من الأمور المنتظرة والمرتقبة، قادم لا محالة في يوم من الأيام، بدلالة تنكير كلمة (يَوْمَ) .

3.مصدره من السماء، لا الأرض، بدلالة قوله تعالى (تَأْتِي السَّمَاءُ) ، أي أن السماء ستأتي به، وبذلك ستكون الغازات المؤلفة لهذا الدخان، غير تلك الغازات، التي تؤلف الدخان الناجم، عن الحرائق على الأرض.

4.ظهوره مفاجئ ومباغت، وغير مسبوق بما يُنبئ عن قدومه، لكي يتعذر على الناس، إيجاد تبريرات وأسباب مادية ومنطقية لظهوره، ليؤكد سبحانه، بأن مصدره هو السماء، وأنه عذاب من عنده، وأنه نذير سوء، وأن هناك ما هو أفظع منه وأقسى، ألا وهو البطشة الكبرى، بدلالة قوله تعالى (فَارْتَقِبْ) ، وهو خطاب بلفظ المفرد خاص برسول الله عليه السلام، ومراد به العموم، ممن يسوءهم ما يسوء الله ورسوله، أي فارتقبوه لتعرفوه إذا ظهر، وليرتقبه المعنيين به ليحذروا، ما يكون من أمر الله بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت