الصفحة 264 من 330

5.إحاطته بالناس من كل الجوانب. بمعنى أنه ينزل من السماء، ويمكث قريبا من الأرض، ملازما للناس، يملأ عليهم معايشهم ومساكنهم، بدلالة قوله تعالى (يَغْشَى النَّاسَ) ، والناس هنا، هم الذين سيُظهرون الشك واللعب في أمر دينهم، دون غيرهم، لأن الآيات السابقة لها حدّدت حقيقة معتقدهم (في شك) ووصفت فعلهم (يلعبون) . وفي العادة فإن الدخان، يتصاعد إلى أعلى بعيدا عن الناس ومساكنهم، ومن ثم ينتشر في السماء ويختفي تدريجيا، ومن ثم تمتزج ذراته مع ذرات الماء والغبار، وتترسب وتعود إلى سطح الأرض، خلال سويعات قليلة. ولكن هذا مخالف لكل ما سبق، يهبط من أعلى إلى أسفل، ويبقى ملازما للأرض وللناس، ولا ينتشر ولا يترسب، حتى تتحصّل الغاية من إرساله، بتعذيب أولئك القوم.

6.يُصاب الناس منه بالأذى والضرر، وعادة ما يُحدث الدخان ضررا، في الأنف والعين والحنجرة، وقد يتسبّب بحالات اختناق نتيجة نقص الأوكسجين، في أسوأ الأحوال، من جراء غشيانه وإحاطته بهم، ولكن دون الموت والهلاك، بدلالة قوله تعالى (هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، وهذا تقرير من رب العزة بأنه عذاب، لمن قد يُشكّك في ذلك، أي أن المقصود بإنزاله، تعذيب من ينزل بهم، وليس موتهم، لأمور اقترفوها، توضّحها الآيات فيما يليها.

7.هذا الدخان حدث عارض، وغشيانه للناس مؤقت، وانكشاف هذا الدخان، سيكون بأمر من الله، لقوله (إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا) ، إذ أن الهدف منه هو الإنذار فقط، بالرغم من انعقاد الأسباب الموجبة للعذاب، ولكن يلزم الإصرار من قبل القوم، على ما هم فيه من العتو والكبر، قبل نزول البطشة الكبرى بهم، وهذا رحمة من الله، حتى بمن يؤذيه، ويؤذي رُسله من عباده.

حقيقة معتقد هؤلاء القوم وصفة أقوالهم وأفعالهم:

1.انعدام اليقين بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكل ما أخبرت عنه الكتب السماوية، (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ) .

2.الإعراض عن آيات الله، والاستهزاء بها، واتخاذها هزوا ولعبا، كمادة للتسلية والفكاهة والتندر (يَلْعَبُونَ) .

3.النفاق حتى مع الله، فحقيقة أفعالهم، تتنافى مع ما يُظهرونه، من إيمان أو انتساب للإسلام، فقولهم هو (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) ، وشهادة رب العزة تُكذّب قولهم (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى) .

4.الكفر بعد الإيمان، بالإعراض عن هدي رسول الله، عليه الصلاة والسلام، (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ) .

5.الطعن في خلقه الكريم، واتهامه بالجنون أي المس، وبالتعلّم من البشر والكهان والسحرة، (وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) .

6.محاربة الله وإيذاء رسوله وأوليائه من الناس، من تضييق وتعذيب وقتل، ومحاربة الإسلام، والطعن في تعاليمه، وإضلال الناس وإبعادهم عن الحقيقة، وهدي الناس بغير هدي محمد، عليه الصلاة والسلام، واتهام المُصلحين من الناس، بالمفسدين في الأرض، خشية أن يُبدّل هؤلاء المصلحون دينهم الجديد الذي يدينون، بإحياء الدين الإسلامي من جديد،، وهذه هي أقوال وأفعال فرعون وقومه، ومستفادة من تشبيه حال هؤلاء القوم، بحال فرعون وقومه، وكذلك بحال بني إسرائيل.

7.إنكار البعث والنشور وما يليه من حساب، وثواب وعقاب، (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ: إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ) .

8.ماديّون منشغلون ومتفانون في الحياة الدنيا، فهم من عُبّاد الدنيا ومظاهرها الخادعة، لا يؤمنون إلا بما هو محسوس، من الدلائل الدافعة للشك والموجبة لليقين، لطلبهم الدليل المادي بقولهم (فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ، للتأكد من حقيقة القدرة على البعث، وما هم بموقنين، فعقولهم قاصرة عن فهم الدلائل العقلية، المطروحة في القرآن، والتي لا تتحصّل إلا بالتفكّر والتدبّر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت