9.مجرمون ومصرّون على إجرامهم، فلا وازع ولا رادع، يثنيهم عن غيهم وطغيانهم، ولا تعنيهم التحذيرات والنذر، (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) .
ظهور هذا الدخان بصفته الموضحة أعلاه، لم يتحصّل في حياته عليه الصلاة والسلام، حيث لو عاينه في حياته لأخبر عنه، أو أخبر عنه أصحابه، ولورد خبره في كتب السيرة والتاريخ، وليس من المنطقي أن يكون من أحداث يوم القيامة، أو من أشراطها الكبرى، فصفته وصفة هؤلاء القوم، والغاية من غشيانه لهم، كما تُبينها الآيات، لا تتفق مع كونها أحد أشراط الساعة الكبرى، والتي سيُعاينها مجمل البشر، بينما هذا الدخان، خاص بأناس من أمة الإسلام، وسبب غشيانه لهم، هو أنهم كفروا بعد أن كانوا مسلمين، وأما السبب الموجب للبطشة الكبرى، هو إيذاءهم لرسوله الكريم، بالرغم من تحذيرهم بالدخان.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ)
جاء في لسان العرب أن"جماع معنى الفتنة، الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصلها، مأخوذ من قولك فتنت الفضة والذهب، إذا أذبتهما بالنار، لتميز الرديء من الجيد". ويتضح معناها من قوله تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً(35 الأنبياء) ، وقوله تعالى (الم(1) أَحَسِبَ النَّاسُ، أَنْ يُتْرَكُوا، أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا، وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) ... وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11 العنكبوت) ، ليكون معنى الفتنة، هو الامتحان والاختبار، ويكون ذلك بالابتلاء بالشر أو بالخير، ليعلم الله الصادق من الكاذب، وليعلم المؤمن من المنافق.
والملاحظ في الآيات أعلاه، أن المخاطب في الآية (35) من الأنبياء، هم المعاصرين لرسالة الإسلام، وأن الحديث في الآية (2) من العنكبوت، كان عن الناس إجمالا وبشكل عام. أما قوله (ولقد فتنا الذين من قبلهم) فالضمير (هم) يعود على المعاصرين لرسالة الإسلام، والذين فتنوا من قبلهم، هم كل من سبقت فتنتهم، قبل مجي الإسلام، إذ لم يكن في هذه العبارة، تحديد لأقوام بعينها سبقت فتنتها، فهي أسبقية زمانية لا مكانية.
وأما في سورة الدخان، فيقول سبحانه وتعالى، (ولقد فتنا قبلهم) ، وضمير الغائب (هم) في كلمة (قبلهم) ، يعود حصرا على أصحاب الدخان، الموعودين بالبطشة الكبرى، وبمجيء التحديد لقوم بعينهم، بقوله تعالى (قوم فرعون) ، تصبح أسبقية (قوم فرعون) لهؤلاء الناس، مكانية وزمانية في آن واحد، ونلاحظ هنا، أن الفتنة كانت للقوم بشكل عام، إذ لم يقل سبحانه (فرعون) أو (فرعون وقومه) أو (فرعون وملئه) ، وإنما قال (قوم فرعون) .
ليصبح المعنى، بأننا قمنا بامتحان واختبار، هؤلاء القوم (أصحاب الدخان) ، فكان منهم ما كان، من أمر رسولهم، ورسبوا في الامتحان الذي قُدّم إليهم، بمجيء محمد عليه الصلاة والسلام، الرسول الكريم، وتبيّن لنا وتأكّد أنهم كاذبون، فاستحقوا بطشتنا الكبرى، فبطشنا بهم، كما كنا قد فتنا قبلهم في نفس الأرض، قوم فرعون، ببعث رسولنا الكريم موسى إليهم، فكذبوه وحاربوه واتهموه بالسحر والجنون، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر.
وهنا نفهم من قوله تعالى، (يغشى الناس) ، بأن المقصودين هنا، أناس بعينهم لا جملة البشر، وحقيقة هؤلاء الناس موضحة، في الآيات بشكل لا لبس فيه، وأهم ما يتميّزون به هو الكفر والنفاق، وأن هذا الدخان سيغشاهم كعذاب وليس كابتلاء، وذلك لكفرهم ونفاقهم، مما ينفي أن هذا الدخان سيُبتلى به عامة البشر، من مؤمنين وكفار ومنافقين، ويُفهم من قوله (الناس) ، أنه سيغشى عامة الناس المقيمين في المكان، الذي أحدث الناس فيه، ما وصفته الآيات أعلاه، دون سائر البشر.