وكان فضيلته قد بدأ خطبته، متحدثا عن انشغال الأمة بهمّ جديد، أضيف إلى همومها، هو الهم الثقافي، الذي بدأ بنشر وزارة الثقافة المصرية، لرواية تسمى وليمة لأعشاب البحر - معبرًا عن استغرابه من العنوان - لكاتب سوري مغمور، أشهرته تلك الرواية شهرة كبيرة، وقال: لم أشأ أن أتحدث عن تلك الرواية، حتى أراها و (الحكم على الشيء فرع عن تصوره) ، كما قال علماؤنا، وقرأت ما يقارب نصفها، أغالب نفسي، فهي من أول صفحة، تقزّز نفس الإنسان المؤمن، وهي رواية، لا تعرف شيئا اسمه الحرام، ولا العيب، ولا تعرف الله، ولا تقدره حق قدره، ولا عجب، فقد كتبها إنسان نَصِيري العقيدة، شيوعي الفكرة.
ثم ذكر فضيلته، أن عقيدة الإنسان الدينية والأيدلوجية، تنضح على فكره، وعلى كتابته وعلى أسلوبه، وكل إناء بالذي فيه ينضح، وأضاف: لكني سأتجاوز عن عقيدة الرجل الدينية والأيدلوجية، ونحاكم النص الذي كتبه: لم أستطع أن أستمر في قراءة الرواية، في أكثر من النصف، لقد بلغ الاشمئزاز مني مبلغه، فاكتفيت بتصفّح الباقي، وكلما تصفّحتها، وجدت أشياء وأشياء ينكرها الدين، وينكرها الخلق، والعقل والأعراف، كل ما فيها والعياذ بالله منكر، فوجدت فيها أكثر مما انتقد عليها الناقدون، في السطور وما بين السطور.
المؤلف يرسم شخصياته:
وبدأ د. القرضاوي، يرد على أصحاب الرأي الآخر، الذين وقفوا مع الكاتب، فقال:"قالوا إن ما ذكره الكاتب جاء على ألسنة شخصيات الرواية"، وأقول نحن نعرف، أن الرواية قصة يتخيلها الكاتب، قد يكون لها أصل في الواقع، وقد لا يكون، هو الذي يرسم صورتها، مبدأها ونهايتها وعقدتها وحلها، وهو الذي ينشئ شخصياتها، ويُنطق هذه الشخصيات، بما يريد أن تنطق به، يعبّر عن نفسه، أو يعبّر عن هذه الأشخاص، ولو كان له فكرة معينة، فهو يجريها على لسان أحد الأشخاص، ويقوي هذه الفكرة، ثم يأتي الرد عليها من الطرف الآخر ضعيفا، أو لا يأتي رد عليها قط، هذه حيلة نجدها عند القصاصين والروائيين.
وأضاف إذا كان من حق الإنسان، ألا يعري جسده أمام الجمهور: فهل من حقه أن يُعري أدبه، وفنه أمام الناس؟ إن العري الذي في هذه الرواية، عُريّ فضائحي بأهدافها وأسلوبها وكتابتها، أشدّ من العري الجسدي، هل من حق الإنسان المبدع، أن يتجرأ على الله، وعلى رسله، وعلى كتبه، وعلى اليوم الآخر، وعلى القيم والدين والأخلاق، كما يفعل هذا الكاتب؟ أيستطيع أن يقول ذلك لرئيس دولته، يتجرأ عليه، ويقول كذا وكذا، أم أن الدين والله والكتب والرسل، أصبحت الحائط الواطئ، التي يتجرأ عليها كل الناس.
ورجع بالذاكرة إلى ما مضى، فقال: لقد رأينا كثيرا من القصاصين الكبار، يذكرون النواحي الجنسية، ويتحدثون عن الشواذ والجناة واللواطين وتجار المخدرات، لكنهم لا يذكرونها، بمثل هذه الألفاظ المسفة العارية، رأينا ذلك في قصص محمود تيمور، وتوفيق الحكيم، ومحمد عبد الحليم عبد الله، والطيب صالح ونجيب الكيلاني، ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس، رغم أنهم ذكروا أشياء كثيرة، تحدث في الفراش، لكن لم يجرؤ أحدهم، ولم ينزل أحدهم إلى مثل هذا الدرك.
واستمر د. القرضاوي، يرد: قالوا في أدبنا أشياء مكشوفة، مثل ما قاله امرؤ القيس، أو مثل ما ورد في خمريات أبي نواس، أو في التغزل بالذكور، وقال: بأن هذه الأشياء في أدبنا، لا تمثل الاتجاه العام، وليس لها أثر في مجرى الحياة، وكانت أشياء خاصة يتداولها بعض الناس في مجالسهم، أو يقرأها بعض الناس في كتبهم، وكانت هذه الكتب محدودة الانتشار.
وتناول مظاهرة شباب الأزهر، فقال: لقد عابوا على طالبات وطلاب الأزهر، أن غضبوا لهذا الدين: وهل يلام الإنسان، إذا غضب لدينه! وقال مثلًا: إذا مشيت في الشارع، ومعك زوجتك أو ابنتك أو أختك، ثم اجترأ عليها أحد من أولئك الفاسقين، فنبذها بكلمة نابية جارحة: ألا تغار لها؟؟ ألا يثور الدم في عروقك؟؟ ألا تقف له بالمرصاد؟؟ هذا ما يفعله الإنسان الحر، فالشريف لا يقبل أن يهان في عرضه.