الصفحة 310 من 330

من عمر الطاهرة والقس، عقدًا ونصف العقد من الزمان، في الإعداد والتصنيع والتهيئة والتأهيل، حتى طرح ذلك العمل، الصبور الدءوب المتأني المخطط، والمرسوم بدقة متناهية ثمرته الناجحة، وحدثت واقعة غار حراء، بصورة فذة معجبة، أدهشت حتى فاعليها، وهما سيدة نساء قريش، وورقة بن نوفل، لأنها جاءت بصورة، لم تخطر لهما على بال، ولا شك أن هذا النجاح، يؤوب بنسبة كبيرة إلى موضوع التجربة، وهو"محمد"فقد كان عبقريًا، لا يفري فرية أحد، ذلك أن سيرته الذاتية، وخبراته الشخصية وملكاته العقلية والنفسية واللسانية، كانت ركائز أساسية في فلاح التجربة"."

ـ لا يفري فرية أحد: (أي لا يكذب كذبة أحد، بمعنى جاء بكذبة لم يسبقه إليها أحد من قبله، حيث كان يُسمى الصادق الأمين في مكة، وبذلك ينفي عنه الكاتب هاتين الصفتين، فيكون إيرادهما في عنوان الكتاب، من قبيل الاستهزاء والاستخفاف، به وبمن صدّقوه على مدى 1400 سنة، وهذا مما ملأ قلب مسيلمة الكذاب هذا، وأمثاله، غيظا وحسدا على خير الخلق وأكرمهم، محمد عليه الصلاة والسلام)

ويقول أيضًا في نفس الكتاب ..."أما في المساء، وفي ليل مكة الطويل شتاءً، فكان مع الطاهرة - أي خديجة - بمفردها أحيانًا، وبحضور القس أحيانًا أخرى، حيث تتم في تلك القعدات، مذاكرة الإصحاحات مباشرة (التوراة والإنجيل) ، ثم إدارة الحوار بشأنها، وأما بتلقّيها من الأم الرءوم والزوجة الحنون خديجة، التي لا شك أنها أجادت القراءة والكتابة، وقد قرأت تلك الإصحاحات، وخزنتّها في ذاكرتها، أو أنها طفقت تقرأها له مباشرة. وكل هذا يدور بالنهار، في الأسواق والحوانيت والأعياد، وما يتم سماعه من القس ورقة، وخديجة من الإصحاحات، التي عرّبها القس في الليالي الطوال، (لتخرج في شكل سور القرآن) ، وما يعقبها من شروح وإيضاحات (السنة النبوية) ، وحوارات بالجلسات، التي قد تستمر حتى بزوغ الفجر. نقول أن كل هذا، كان يجري تخزينه، وبرمجته في ذاكرة العبقري، الذي لم تر جزيرة العرب له مثيلًا، ولم تشهد له ضريبًا، ولم تعاين له شبيهًا أو ندًا، خاصّة وقد آمنا أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، والأمي - أيّ أُميّ - يتمتع بذاكرة حديدية، وحافظة واعية أشد الوعي، فما بالك إذا اجتمعت الأمية والعبقرية الفذة، في شخص واحد."

ويقول في موضع آخر .."ومهما كانت الجهود التي بذلتها الطاهرة، وعاضدها فيها ابن عمها القس، فأنها لا تنفي عن التجربة، وفى مقدمتها حادث الغار، جانبها الغيبي وناحيتها الميتافيزيقية (المتافيزيقية: لفظ توصف به الظواهر الخارقة الطبيعية، التي عادة ما تتأتى، على أيدي الكهان والسحرة والمشعوذين والدراويش ومحضّري الأرواح، وذلك لنفي الوحي) ، إذ لا تعارض بين الأمرين، بل إن كلا منهما يكمل الآخر ويدعمه. ويقول أيضًا .."حتمٌ علينا، أن نقرّ ونعترف بمهارة خديجة، في المزج بين الأمومة الفياضة، بالحب والحنان، وبين الإعداد الكريم الدقيق، لتلقى التجربة (النجاح) ، ولولا هذا الخلط البارع، لما قُدّر للتجربة الفلاح والنجاح، الذي ملأ الدنيا، وشغل الناس منذ أربعة عشر قرنًا، ومازال يشغلهم حتى الآن، وربما لأمد بعيد، ما لم تتبدل جذريًا، أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وما لم يتحلّل حراس الأساطير، وجلاَّس التراث المبارك، عن أماكنهم الميمونة، (بمعنى ما لم يعمل جهابذة المفكّرين من أمثال الكاتب، على رفع هالة القداسة عن محمد ورسالته، فتعالى الله عما يُشرك به المجرمون) "."

ثم يقول خليل عبد الكريم في موضع آخر وأخير .."كان أسى محمد المرير، على فقد خديجة أمرًا بديهيًا، لأنها الأم الرءوم والزوجة الحبيبة، ولولاها ما أكمل التجربة حتى نهايتها، وهي التي أتاحت له التّماس، مع ورقة وعداس وبحيرا، وقضاء الليالي الطوال مع ابن نوفل، في المدارسة والمذاكرة والمحاورة، وهي التي كانت تقرأ له الصحف، التي عرّبها القس نوفل، وهي التي هيأت له الاختلاط، بأصحاب جميع الملل والنحل والعقائد والأديان، الذين اكتظّت بهم مكة، ولولا التفرغ الدائم، وهو أحد عطايا أم هند، لما انفسحت له الفرصة الثمينة. ولا شك أن الخلطة بأصحاب الديانات، شكّلت جزءًا من الخطة المرسومة. لما انضوت عليه الخطة، من تمرّس واستماع"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت