فهرس الكتاب
عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40 القمر) .
فتماروا بالنُذر: جماع معنى كلمة مراء، هو الإكثار في الجدال بلا طائل، بغية إلباس الحق بالباطل، والصورة التي تشكّلت لدينا، مما جاء من معاني في لسان العرب، هو أن قوم لوط، عندما أنذرهم وحذّرهم عليه السلام من العذاب، استهزءوا به وبتحذيره، بل وطفقوا في مجالسهم، يتبارون فيما بينهم أيهم أقوى حجة، بكل ما أُتوا من ملكات وبيان، لاستخراج واستنباط البراهين، لتفنيد ما يدّعيه لوط، من قدرة ربه على إهلاكهم، دون أن يألوا جهدا في التشكيك بذلك، مظهرين أكبر قدر من الصلابة والثبات، في مواقفهم المخالف للوط، وأكبر قدر من الخصومة، كل من بما يدعيه من الحق، فيما يقول. وهذا ما يقوم به عادة، المدافعين عن الباطل، لإضلال الناس، وهذه الصورة كثيرا، ما نراها هذه الأيام، في حوارات أهل الباطل ومناقشاتهم، حتى من بعض رجال الدين، عندما يجتمعون فيما بينهم، على منابر الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة. قال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا(56 الكهف)
والسؤال الآن: هل سيتمارى أهل مصر بهذا الكتاب، فيما لو وقع تحت أيديهم، كما تمارى الذين من قبلهم؟ نقول: نعم بلا أدنى! ألم يقل سبحانه (أنّى لهم الذكرى) ، وقد كذّبوا برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، فالأحرى بهم أن يُكذبوا من هو دونه من البشر، أيا كانت درجتهم أو صفتهم، وألم يقل سبحانه (يوم نبطش ... ) وعقب على هذا اليوم، بقوله، (فارتقب إنهم مرتقبون) ، فالمسألة باتت مسألة وقت، لا أكثر ... فلنرتقب ... ونرى ... !
ولكن هل يفيد هذا الإنذار، السابق للعذاب؟ نقول: نعم، لو لم يكن فيه فائدة، لما أنزله الله في كتابه:
أولا: إذ لو عاد أهل مصر عامة، عمّا هم عليه، لرُفع عنهم العذاب، كما رُفع عن قوم يونس عليه الصلاة والسلام، وأما التأكيد على أنهم سينزل بهم، كان لسبق علم الله، بما سيكون من إصرارهم على ما هم عليه، بعد كشف الدخان.
ثانيا: وربما سيكون هناك عودة، لبعض أهل مصر على المستوى الفردي، فيما لو انتبه أحدهم، لهذا الأمر، من خلال قراءته لسورة الدخان، أو تم تنبيهه لهذا النذير الإلهي. وكون الناس منشغلون بدنياهم عن قراءة القرآن، فذلك حجة إضافية عليهم، يوم القيامة فيما لو تذرّعوا بأن لم يأتهم نذير، في أنهم كانوا حقا معرضين عن كتابه، كما أخبر سبحانه بحالهم، من سابق علمه، في كتابه العزيز، ليكون النذير في متناول أيديهم وهم لا يشعرون. وربما يكون أحدهم قد انتبه. ولما لم يُكلّف نفسه بالبحث، إذ لا يرى نفسه ملزما، بفهم كتاب الله، فتساءل ... ؟! فضلّله عامّي أو عالم أو فقيه، بغير علم ... !
ثالثا: ليكون في كل هذا عبرة، لمن يعتبر من المصريين، وغيرهم من الأمم. قال تعالى (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ(56 الزخرف)
مسألة إهلاك العامة والخاصة:
قد يستنكر البعض إهلاك الله للعامة، كونهم مسلمين ... ! نقول أن ربهم أعلم بهم، وهو الأقدر على كيفية التعامل معهم، وحكمه في خلقه عدل، وقضاؤه فيهم حقّ.
ـ ومما قاله رب العزة في سنن إهلاك القرى، موضحا أسباب استحقاق أهلها للعقاب بفعل ساداتها:
قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ، أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا، وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(123 الأنعام) ، وقال (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً، أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا، فَفَسَقُوا فِيهَا، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ، فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا(16 الإسراء)