الصفحة 32 من 330

(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(93 مريم) (مؤمنهم وكافرهم بلا استثناء)

وفي الحديث الصحيح الطويل، الذي رواه مسلم وأخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد، جاء ما جاء نصه"... إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى، إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ (جبال القدس) ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ..."يرد نفس التركيب اللغوي لعبارة (عبادا لنا) ، وهو (عبادا لي) والمقصودين به هم قبيلتي يأجوج ومأجوج، الذين قال فيهم سبحانه (قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا، عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا(94 الكهف) .

وخلاصة القول: أن كلمة (عبادا) ، جاءت نكرة، و كلمة (لنا) لم تعرّفها، وإنما جاءت هنا لتأكيد الملكية فقط، وكل الخلق ملك لله، ليؤكد سبحانه لبني إسرائيل، أن هذا البعث سيكون من عنده، وبما أن هؤلاء العباد ملكه، فهم رهن إشارته وطوع بنانه، ويملك حق التصرف بشؤونهم، فإن شاء بعث وإن شاء أمسك. وأكثر المعاني دقة لهذه العبارة (عبادا لنا) ، هو أنهم (طائفة من خلقنا) لا أكثر من ذلك ولا أقل، وأهم ما يميّز هؤلاء الخلق عن غيرهم، أنهم (أولي بأس شديد) فقط لا غير.

وأن ورود لفظ (عباد) في القرآن، لم يقتصر على أولياء الله وأحباؤه، وإنما جاء هذا اللفظ في الخطاب القرآني، منّا على العباد بنعمة خلقه إياهم، ورفقه ولطفه بهم، مطيعهم وعاصيهم، والكلمات (عبادي، عبادنا، وعباده) عادة ما تأتي كتهيئة، لما سيأتي بعدها، من صفة مميزة، أو سياق يدل على صفة، وهي المراد إبرازها أصلا، فإن كانت صفة محمودة، كالإيمان والعلم فقد أُبرزت تحببا بها، وإن كانت صفة مذمومة، كالضلال والإسراف، فقد أُبرزت تنفيرا منها.

وأما صفة البأس الشديد، فقد أُبرزت تهديدا وتحذيرا وتخويفا لبني إسرائيل، من سوء عاقبتهم بوقوعهم، بين أيدي مثل أولئك الخلق، الذين لن يرقبوا فيهم إلّا ولا ذمة، لعلهم ينتهون ويرجعون ويرتدعون، عمّا هم عليه من فساد وإفساد.

أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ:

وصف الله هؤلاء العباد، بأولي البأس الشديد، والبأس كما قدمه معظم المفسرون، هو القوة والبطش في الحروب، والشدّة جاءت زيادة في المبالغة، قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ(25 الحديد) ، فانظر وتفكر في معدن الحديد، فهو يحمل في جوهره صفتان، قلما تجدهما في معدن أخر. وهما؛ أولّا: أنّه يحافظ على طبيعته، مهما عظم عليه الطرق واشتدّ، ولا يحترق أي يتحول إلى مادة أخرى، مهما ازدادت شدة النيران عليه، وإن انصهر عاد إلى سابق عهده عند البرودة، وهذه الصفة إن وجدت في البشر، فهي الجلد والصبر عند وقوع البلاء. وثانيا: أنّه عند تشكيله وشحذه، فهو قوي قاتل وقاطع، لذلك قيل"لا يفل الحديد إلّا الحديد"، وهذه الصفة إن وجدت في البشر، فهي القوة والبطش عند مواجهة الأعداء.

وفي قوله تعالى (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا(84 النساء) نجد أنّه سبحانه قد وصف نفسه بذات الصفة، وبما أنّ البأس الشديد تعني القوة والبطش، فأين تستعمل هذه القوة وهذا البطش من قبله سبحانه؟ وفي أي المواقع والمواقف يصف رب العزة نفسه بهاتين الصفتين؛ القوة والبطش؟ دعنا نتتبع هذه الصفات والعلاقة ما بينها، في الآيات التالية (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12 البروج) (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ(16 الدخان) نجد أنّ الشدة ارتبطت بالبطش، والبطش بالانتقام.

(إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ(52 الأنفال) (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40 الحج) (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ(42 القمر) (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(102 هود) (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ(4 آل عمران) ، ونجد أنّ الشدة ارتبطت بالقوة، والقوة بالعزة، والعزة بالأخذ، والأخذ بالشدة، والشدة بالعزة، والعزة بالانتقام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت