الصفحة 33 من 330

ومما تقدم نجد أن الموقف، الذي يستدعيه جل وعلا لإظهار بأسه الشديد، هو موقف الانتقام، وأن الانتقام لا يتأتى إلا ممن هو قوي وعزيز.

وخلاصة القول: أنّ هؤلاء العباد، المبعوثين من قبله سبحانه على بني إسرائيل، اختارهم الله لتنفيذ مهمة، وهي إنزال أبشع انتقام إلهي ممكن في بني إسرائيل، لذلك تطلب الأمر أن يكونوا أولي بأس شديد، ويتمتعون بالقوة والعزة، ذوي صبر وجلد عند وقوع البلاء، وقوة وبطش عند اللقاء، بغض النظر عن إيمانهم أو كفرهم، زيادة في التنكيل وإمعانا في الإذلال لبني إسرائيل، وما عدا ذلك من صفات العباد، لا تصلح لتنفيذ هذه المهمة. والفتوحات التي اتخذت الطابع الإسلامي قديما وحديثا، لم تحمل الطابع الانتقامي بإهلاك الحرث والنسل، الذي سيكون عليه الأمر الذي تصفة الآيات.

فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ:

لم ترد كلمة (جاسوا) ، أو أي من مشتقات مصدرها (جوس) في مجمل القرآن، إلّا مرة واحدة فقط في هذا الموضع، لذلك لجأت إلى معجم لسان العرب، وهذا مما قيل فيها:"الجوس هو مصدر جاس جوسا، وجوسان تردد، فجاسوا خلال الديار: ترددوا بينها للغارة والجوسان؛ أي قتلوكم بين بيوتكم؛ بمعنى يذهبون ويجيئون؛ فطافوا خلال الديار ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه؛ تخللوها فطلبوا ما فيها، والجوسان: الطوفان بالليل، ورجل جوّاس أي يجوس كل شيء يدوسه، والجوس: طلب الشيء باستقصاء، وكل موضع خالطته ووطئته، فقد جسته".

ولو جمعنا كل ما قيل فيها من معاني، وأعدنا تشكيل هذه المعاني وصياغتها، لخرجنا بالمشهد التالي:

(أغاروا عليكم - ليلا على الأرجح - ودخلوا دياركم، ووطئوا أرضكم ليقتلوكم وينكّلوا بكم، وتردّدوا فيها ذهابا وإيابا، وطافوا خلالها شرقا وغربا، وتخلّلوا أزقتكم واقتحموا بيوتكم، بحثا وتقصيّا، لعلّهم يجدوا منهم، من بقي حيا ليقتلوه) .

نلاحظ هنا أنّ الله جلّت قدرته، أوجز في وصف فعل هؤلاء العباد أيّما إيجاز، ليصف كل ما فعلوه في كلمة واحدة فقط، هي كلمة (جاسوا) لتصف مشهدا كاملا، ولم تكن الإضافة (خلال الديار) إلّا لتوضيح ما كان قد جيس. وهذا يُشبه مشهد الإغارات الوحشية، التي كان يقوم بها، الأمريكي المدجّج بالسلاح الناري، على قرى الهنود الحمر شبه العُزّل، وما يُخلفه وراءه من دمار ومآسي، مشهد طالما حفلت به أفلام الغرب الأمريكي.

والعبارة جاءت لتصف ما قام به عباد البعث الأول عند بعثهم، قال تعالى (فجاسوا) بصيغة الماضي، أي أن الجوس، قد وقع في الماضي، ولم يقل (ليجوسوا) بصيغة الاستقبال، كما هو الحال في أفعال البعث الثاني، التي ستقع في المستقبل.

وخلاصة القول: أن هذا الجوس قد وقع في الماضي، وكان غاية في البشاعة، واستباح فيه هؤلاء العباد حُرُماتهم جميعها، من أرض ومال وعرض، فوقع فيهم القتل والنهب والسبي.

وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا:

هذا الخبر جاء كتعقيب على الوعد الأول، ليؤكد سبحانه تحقق المرة الأولى، بعلوها وإفسادها وبعثها، قبل نزول هذه الآيات. حيث جاءت صيغة اسم المفعول (مَفْعُولا) من الفعل (فَعَلَ) ، للدلالة على تمام الفعل، بمعنى وكان وعدا (قد فُعِلْ) فيما مضى من الزمان. ولم تأتي بأي حال من الأحوال بمعنى (مقضيا) ، كما قدّمه معظم المفسرين القدماء، ومنهم القرطبي أجلّه الله، حيث قال فيها"وكان وعدا مفعولا، أي قضاء كائنا لا خلف فيه"، على اعتبار أن نفاذ الوعدين كان قبل الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت