الصفحة 34 من 330

وقد جاءت هذه العبارة، كجملة معترضة، بحيث لو قمت بإسقاطها من السياق، ومن ثم قرأت الآيتين (4و5) ، كما يلي: ( ... بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار. ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وأمددناكم ... ) لوجدت أن السياق لم يتأثر بحذفها، فخبر نفاذ الوعد الأول، انتهى عند ذكر الجوس، أي أن الجوس قد وقع بعد البعث. وجاء التعقيب على الوعد، بالجملة المعترضة (وكان وعدا مفعولا) لبيان وتأكيد، أن الوعد بالبعث الذي تقدّم ذِكره، قد تحقّق فعلا، وكانت نتيجته هي الجوس، ومن ثم يبدأ النص بالإخبار عن الوعد الثاني.

قال تعالى (وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا، وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ، كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(163) ... فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ، قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166 الأعراف) وهذه الحادثة كما نعلم، وقعت في بني إسرائيل قبل مئات السنين، والآن انظر قوله تعالى (يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا(47) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ .. (48 النساء)

جاءت الجملة المعترضة (وكان أمر الله مفعولا) زيادة للإيضاح، ولتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أو الظن، لبني إسرائيل المعاصرين لرسالة الإسلام، والمتشكّكين منهم والذين خانتهم ذاكرتهم، وغير المصدّقين بصحة هذا الأمر، الذي كان الله قد أجراه في أسلافهم، أن هذا الأمر وهو المسخ، قد مضى في أسلافهم حقيقة، فجاء تعقيبه تعالى على ما تقدم، من لعن ومسخ لأسلافهم، بقوله (وكان أمر الله مفعولا) لإزالة الشك، ولتأكيد أنّ الله قادر على تكرار ذلك الأمر، إن لم يؤمنوا بما أُنزل من القرآن على وجه التهديد والتحذير.

وخلاصة القول: أن الوعد الأول بالبعث، كان قد مضى وانقضى قبل نزول هذه الآيات، وأنّ تعقيبه عز وجل بقوله (وكان وعدا مفعولا) ، جاء لتذكير اليهود الحاليين وتحذيرهم، وإنباء المسلمين غير العالمين، بوقوع ذلك في بني إسرائيل، بأنه قد وقع فعلا، وبشرى لهم بأن الوعد الثاني، سيتحقق كما تحقّق الوعد الأول، وأن الله لا يخلف الميعاد، وما عليهم إلا الصبر والاستمرار في كفاحهم ضد اليهود، وحسن الظن بالله وبوعده - وعد الآخرة - قال تعالى (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ، أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(31 الرعد) .

(ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا(6)

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ:

قال تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) أي ثم رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار، وهذا لا يتحصل إلا بعد البعث والحساب، بدلالة الاستثناء في تكملة السياق، في قوله تعالى (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ(6 التين) ، وبالتالي تكون (ثم رددناه) بالماضي، جاءت بمعنى أيضا (ثم نردّه) بالمستقبل.

وجاءت كلمة (رددنا) بمعنى أعدنا من إعادة، (والكَرّة) مصدرها كَرَرَ وفعلها كَرَّ، والكَرُّ والفرُّ تقنية عسكرية، ويقولون"الحرب كرٌّ وفرُّ"وهي تعني الفعل المضاد للفعل السابق، فالغلبة كانت للعباد والهزيمة لبني إسرائيل، وردّ الكرة لهم هو العكس تماما، كالصورة في المرآة، أي الغلبة والتفوق العسكري لبني لإسرائيل. وليس المقصود بالكرّة العودة إلى فلسطين، وانتصار اليهود في حروبهم ضد الدول العربية، لقوله، (الكرّة عليهم) أي الغلبة العسكرية على العباد أنفسهم دون غيرهم. فالضمير المتصل (هم) في (عليهم) ، يعود على العباد المبعوثين عليهم، الذين سبق ذكرهم، وجميع الضمائر المتصلة (كم) في هذه الآية، تعود على بني إسرائيل.

قال تعالى، على لسان الكافر حين يرى العذاب (لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(58 الزمر) ، فالفعل الذي سبق، هو مجيئه من الدنيا إلى الآخرة، فتمنى الكرة، وهي العودة من الآخرة إلى الحياة الدنيا، ليكون من المحسنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت