الصفحة 324 من 330

(وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)

قال تعالى (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا(10 الأحزاب) ، كان هذا حال صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أكثر الناس إيمانا وعزيمة وصبرا وثباتا على دينهم، لقد بلغ منهم الخوف مبلغا عظيما، حتى ساورتهم الشكوك والظنون، في غزوة الأحزاب، عندما تألبّ عليهم من بأقطارها، من ملل الكفر والشرك، جمعتها الصهيونية اليهودية الحاقدة قديما، لوأد دولة الإسلام الحديثة، خوفا من ضياع السيطرة اليهودية، على مجريات الأمور في الجزيرة العربية، بإثارة الفتن والحروب بين القبائل، حيث كان اليهود المرجعية الاستشارية، لمشركي قريش وغيرهم من القبائل، فيما يتعلّق بأساطير الأولين.

وفي العالم العربي والإسلامي شرقا وغربا، يشعر الناس بالإحباط واليأس والخوف، من الوضع المُتأزم الذي يعيشونه في السنوات الأخيرة إجمالا، وفي هذه الأيام على وجه الخصوص، وهم يشاهدون ما يجري على أرض الإسراء والمعراج وغيرها، من هجمة شرسة شنها أوغاد الصهانية في الشرق، مدعومين بأوغاد الصهانية من يهود ومسيحيين في الغرب، حتى بدأ اليأس والقنوط من رحمة الله، يتسرّب إلى قلوب الكثير منهم، لدرجة أن منهم من ظنّ بالله ظنّ السوء، بل ومنهم من كفر بالله ربّا، وبالإسلام دينا في لحظة من اللحظات، ومنهم من دعا على أهله وولده، وعلى الشعوب العربية وحكّامها بالهلكة والخراب.

لمثل أولئك في هذا الزمان، يقول سبحانه وتعالى، قبل ما يزيد على 1400 سنة، في كتابه المجيد، في نهاية سورة النحل، قبل أن يبدأ في الأخبار، عن وعد الآخرة في السورة التي تليها:

(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ(126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)

وفي معرض تعقيبه على وعد الآخرة، الذي نعيشه الآن بكل حيثيّاته، يقول:

(وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا(11 الإسراء)

ويقول أيضا في نفس السورة: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا(83)

ويقول في سورة فُصّلت: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ، وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ(49)

وعَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ". رواه مسلم.

كثير من الناس، ببعدهم عن القرآن والسنة، لا يفهمون الكثير من الغايات والمقاصد الإلهية، من تصريف أمور الناس بالشكل المنظور والمحسوس، وخاصة فيما يتعلّق بالابتلاء، سواء بالخير أو الشرّ، (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ(35 الأنبياء) مع أن الله سبحانه وتعالى، وضّح وبيّن في كتابه العزيز للمؤمنين، أن عاقبة الأمور، هي ما يجب أن نُركّز عليه أنظارنا وعقولنا وقلوبنا. وأن نعلّق آمالنا دائما وأبدا على العاقبة، أي المنتهى الذي ستؤول إليه الأمور فيما بعد، سواءً في الدنيا أو الآخرة، مهما طال الزمن أو قصر، وألا نعلّق آمالنا على الواقع الذي نعيش فيه، فبعد غزوة الأحزاب، التي زعزعت قلوب المؤمنين، فُتحت مكة، وكانت تلك الفئة المؤمنة الصابرة والثابتة، هي نفسها التي قادت جيوشا، لتزلزل عروش أكبر دول الكفر والطغيان، في ذلك الزمان.

كان يوسف عليه السلام قد أُبعد عن أبويه طفلا، ورُمي في البئر، وأُخذ من قبل أُناس غرباء إلى أرض غريبة، وبيع عبدا بدارهم قليلة، وعاش غريبا حتى بلغ أشدّه، واتُهم بمراودة زوجة سيده، وألقي في السجن سنينا طويلة. ولكن بعد كل تلك المعاناة، وفي نهاية المطاف،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت