كان الأمر مختلفا كليا (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(56 يوسف) وأما في الآخرة (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(57 يوسف)
ويؤكد سبحانه بأن بداية التمكين ليوسف، كانت منذ دخوله لبيت العزيز، مع كونه دخله عبدا (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ... ) ، ولكنّ الناظر إلى يوسف عبدا سجينا، قابعا في زوايا النسيان والإهمال، ولو كان أكثر الناس تفاؤلا، لم يكن يخطر بباله، أن حال هذا العبد السجين، المتهم بالخيانة، سينقلب رأسا على عقب، ليُصبح وزير مالية مصر، أكبر دول العالم القديم؟! ولكن حكمة الله اقتضت، عكس ما قد يتصوّره، أغلب الواقعيون من أُناس ذلك العصر، وعلى رأسهم العزيز وامرأته. لذلك أكد سبحانه، على أن الناس - خاصة غير المؤمنين بالله وصفاته، جلّت قدرته - يُعانون في الغالب، من قصر النظر والفكر، بأنه قادر على تنفيذ مشيئته، في أقسى الظروف وأحلكها واستحالتها، مخالفا كل معطيات الواقع، الذي يتذرّع به الناس هذه الأيام، لذلك قال في تكملة الآية ( ... وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21) ، وفي سورة الروم، يُوضّح سبحانه، حقيقة ما يعلمه الناس ويؤمنون به، في قوله (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(7) ، وظاهر الحياة الدنيا، هو الواقع المشاهد.
أما بالنسبة لواقع الأمة الإسلامية الحالي، وما يواجهه الشعب الفلسطيني، من معاناة، من قبل المفسدون الصهاينة في الغرب والشرق، فإن الله وعد المؤمنين بالنصر من عنده، ووعد عدوهم قبل ثلاثة آلاف سنة، بالعذاب إن أفسدوا في الأرض، وقد أفسدوا فيها ما يزيد على خمسين سنة، وبلغ إفسادهم هذه الأيام عنان السماء، فهذان وعدان، صدرا ممن لا يخلف الميعاد، ولكن الأمر يحتاج إلى الإيمان بالله، والصبر والثبات على الدين، وعلى مواجهة عدوهم، وحسن ظنهم بالله.
يقول سبحانه في شأن المفسدين في الأرض مخاطبا رسوله وأمته (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ، كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ(47 الحج) وقال (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ(35 الأحقاف) .
هذه الأيام، يأس الناس من الشرّ، فهم يستعجلون زواله، ورغبوا في الخير، وهم يستعجلون إطلاله، فقد استقوى الباطل وزادت سطوته، وغاب الحقّ وطالت غيبته. (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ(11 غافر) ؟!
الفرق بين الميقات السماوي الميقات الأرضي:
عادة ما يشعر الإنسان، في حالات الفرح، بأن الزمن ينقضي كلمح البرق، فالأسبوع يمرّ وكأنه يوم، واليوم وكأنه ساعة، والساعة وكأنها دقيقة، أما في حالات الفراغ أو الحزن، فيشعر بأن الزمن يسير ببطئ شديد، ويكاد أن يتوقف، فالدقيقة تمرّ وكأنها ساعة، والساعة وكأنها يوم، واليوم كأنه شهر، فالإحساس بالزمن أمر نسبي، يعتمد على الحالة النفسية التي تعتري الإنسان بين حين وآخر.
وحتى لا يتخبّط الإنسان، في تقديراته للزمن تبعا لحالته النفسية، اتُخذت الأيام والشهور والسنون، وهي مقاييس ثابتة ومنتظمة، لاعتمادها على الحركة المنتظمة، والثابتة للأجرام السماوية، التي أبدعها رب هذا الكون. وبقيت مسألة كيفية تقدير الزمن، بالنسبة لليوم الواحد، فاصطلح على تقسيم اليوم، إلى 24 ساعة، والساعة إلى 60 دقيقة، والدقيقة 60 ثانية.
ويرى كثير من المسلمين، أن فترة الظلم والإفساد على الأرض، طالت جدا، وربما ستطول أكثر عند البعض. ونقول هي في الميقات السماوي قصيرة جدا، ولتوضيح الفكرة وتقريبها إلى الأذهان ليس إلا، سنقوم بعملية حسابية بسيطة.
اليوم في الميقات السماوي = 1000 سنة، واليوم في الميقات الأرضي = 24 ساعة