الصفحة 36 من 330

ولو حصل أن علم المسلمون بتفاصيل هذه النبوءة مسبقا، فربما ترك معظم الفلسطينيون بلادهم، مع إطلاق أول رصاصة من قبل برابرة هذا العصر، إلا من أوتي الحكمة ورَحِمَ ربي، ولَحُرِمَ المسلمون شرف الشهادة، ونيل الأذى في سبيل الله، لقوله تعالى (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ، فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140آل عمران) ولقوله (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ، أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ، لَا يُصِيبُهُمْ، ظَمَأٌ، وَلَا نَصَبٌ، وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ، وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ، عَمَلٌ صَالِحٌ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(120التوبة) . ولكن عدم معرفة الفلسطينيون، آنذاك بحتمية قيام الدولة اليهودية، أبقى الأمل بإمكانية منع إقامتها، حيّا في نفوس أهلها، فبقي الكثير منهم فيها، واستمر باب الجهاد في سبيل الله، مشرعا على مصراعيه، وبقي سجل شرف الشهادة في سبيل الله، مفتوحا إلى يوم القيامة، لمن يرغب منهم في تدوين اسمه، ولتكون منهم بإذن الله تلك الطائفة، التي أخبر عنها رسول الحق عليه الصلاة والسلام.

أما بالنسبة لليهود، فهل كُشفت لهم هذه النبوءة؟ أقول: نعم بلا شك، ألم يقل سبحانه (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ) وكشفت لهم أيضا نبوءات أخرى، ويعرفون تفاصيلها كما يعرفون أبناءهم، قال تعالى (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً، لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ(154 الأنعام) (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ، فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا، سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ(145 الأعراف) وقد كشفها الله لهم ليعلم ما سيكون منهم، فعلم العقلاء يزيدهم تواضعا وخضوعا وامتثالا، وعلم الذين لا يعقلون (اليهود) زادهم جهلا واستكبارا وطغيانا وعصيانا وعدوانا، وسنوضح لاحقا ما كان منهم، بناءا على معرفتهم لما جاء في كتبهم من نبوءات، بإذن الله.

أما لماذا كُشفت الآن، نقول: أن لا جدوى من إخفاءها الآن، فقد اكتملت معالم القدر من ظروف وملابسات، وفسّر الواقع جزءا كبيرا من نصوصها، وكل شيء أصبح واضحا للعيان، (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا(115 الأنعام) وعلم سبحانه ما أراد أن يعلم؛ مما كان من المسلمين، واتخذ وسيتخذ منهم ما أراد أن يتخذ، وما كان من اليهود وسيأخذ منهم، ما شاء أن يأخذ حطبا لنار جهنم، وبئس المصير (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا(8 الإسراء) . والكشف عن أسئلة الامتحان والبلاء، لن يُغيّر شيئا، فقوائم النتائج والشهادات، تُعلن من على شاشات التلفاز، فقد نجح الكثير من طلاب الآخرة في امتحان ربهم، على (درجة شهيد بامتياز مع مرتبة الشرف) ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ونحن الآن بانتظار أن يُصدر رب العزة، نتائج أولئك الأوغاد السفلة، بعد أن يمهرها بتوقيعه المبارك، وكأنّي أتخيّل الملائكة يُعدّونها، في عجلة من أمر ربهم، لتكون جاهزة عند موعد التسليم، فتدبّر في قوله (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ، كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110 ... وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، وَلِيَرْضَوْهُ، وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ، (113 ... وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115 الأنعام) ، وموعدهم قريب، وعند مجيئه سيكون الباب مشرعا لأولئك العباد بأمر ربهم، لينقضوا عليهم ويزلزلوا أركانهم، ويكسروا شوكتهم ويقتلعوها من جذورها، والبعبع الأمريكي يغطّ في سبات عميق، ولن يمنعهم من أمر الله أحد كان.

ونقول: أنّ عودة اليهود إلى فلسطين حقّ، فالذي أخبر عن ذلك هو الحقّ، وأنّ إخراج أهلها منها حقّ، بعد أن منّ الله عليهم بالاستضعاف بالأرض، كما استضعف الذين من قبلهم، فأُورثوا الأرض من بعد، فقد أَخرج رسوله من قبل بالحقّ، (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(5 الأنفال) وفي إحدى سننه الكونية لمن يُخرج الناس من ديارهم قال الحقّ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ(13 إبراهيم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت