فهرس الكتاب
وهذه رسالة رب العزة، إلى أمة محمد عليه الصلاة والسلام، ومن سورة (محمد) : (فَلَا تَهِنُوا، وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ، وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ، وَاللَّهُ مَعَكُمْ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(35) ... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) ، وإن لم نكن نستحق الانتساب لأمّة (محمد) عليه أفضل الصلاة والتسليم، قولا وعملا، فسنّة الاستبدال واقعة بنا لا محالة، ومن المؤسف أنها على وشك.
وخلاصة القول: أنه وبعد نفاذ الوعد الأول فيكم، من قبل هؤلاء العباد، وقتلِهم وقهرِهم لكم، وزوال دولتكم، وتشتتكم في الأرض بمدة من الزمن، طالت أو قصرت - تفيدها ثمّ - سنأذن لكم بالعودة إلى الأرض المقدسة، وتهزموهم كما هزموا أسلافكم، وتعود لكم السطوة عليهم، وتلحقوا بهم ما ألحقوه بأسلافكم، ونُمدّكم بالأفراد المدربين على القتال والمساعدات المالية والعسكرية، ونجعلكم أكثر عددا وعتادا. وهذا من قبيل (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بيْنَ النَّاسِ) بإجراء القضاء والقدر، وليس من قبيل المكافأة، لبني إسرائيل على إحسانهم ونيلهم رضاه سبحانه، كما يدّعون في توراتهم، وكما ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين.
(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا(7)
إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا:
وهذا على سبيل التخيير، ولنفي الجبرية على من يملك العقل والإرادة، ولدفع الظلم عن نفسه جلّ وعلا، حيث قال (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46 فصلت) ، وجاءت في ظاهرها، تحمل الكثير من الترغيب، والكثير من الترهيب، وفي باطنها التهديد والتحذير مما يليها، لكيلا يكون لهم على الله حجة، بأنه لم يحذّرهم وينذرهم، قبل إنزال عقاب وعد الآخرة فيهم. أما دفع تهمة الإفساد عن النفس، فليست بالأماني ومعسول الكلام، ولكن بالنظر إلى ما اقترفته الأيادي، حيث قال سبحانه (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(123 النساء) .
والتغيير من الإفساد إلى الإصلاح، ومن الإساءة إلى الإحسان، لا يأتي عبثا بل يحتاج إلى الكثير من الجهد والعمل، فالبداية تكون بتحصيل العلم والمعرفة بالله، بالتفكّر والتدبّر في ملكوت السماوات والأرض، ومن ثم الأيمان بوجوده وقدرته على الخلق والإيجاد، ومن ثم ردّ الجميل لصاحب الفضل والمنّة، بإقرار ربوبيته وملكيته لنا، ومن ثم الطاعة والتسليم والانصياع، ومن ثم تحصيل المعرفة بمراده من الخلق، كما جاء في كتابه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56 الذاريات) ، وبالتالي البحث الحثيث لمعرفة ما يُنال به الرضا ويُدفع به الغضب، ومن ثم العمل بما تعلم، فإن لم يكن حبا في ملك الملوك، ليكن ولاءً لسبق الفضل، وإن لم يكن طمعا في الجنة فخوفا من النار.
فانظر بربك إلى ربك ما أعدله، أنعم عليك وأوجدك أولا، وسيدخلك الجنة إلى الأبد ثانيا، لتكون ممن قالوا (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ(74 الزمر) ، لا من الذين قالوا (يَوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ(97 الأنبياء) .
قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11 الرعد) ، فالتغيير يبدأ من العبد وينتهي عنده، قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(5 الصف) ، حيث سبق الزيغ منهم فأزاغ الله قلوبهم، أفلا يستحق الأمر شيئا من العناء ... ؟! فلنسارع بتغيير أنفسنا، قبل أن تتغير جلودنا مرارا وتكرارا، في نار جهنم.