فهرس الكتاب
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ:
فيما روي عنه عليه الصلاة والسلام، مما قال في دعاءه"أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء"، والآخِر والآخِرة نقيض المتقدم والمتقدمة، ومن معجم مختار الصحاح: الآخِر بكسر الخاء بعد الأول وهو صفة، تقول جاء آخِرا أي أخيرا، وتقديره فاعل، والأنثى آخِرة والجمع أواخر.
وخلاصة القول: أنها المرة الثانية في الترتيب، والأخيرة في عدد المرات، ولا ثالثة بعدها، وإنما هناك أخرى، ولكنها تختلف في أنها ليست مرة، ولا يصحّ أن نسميها مرة ثالثة، فهي لا تمتلك شروط المرتين السابقتين.
بعثناهم عليكم:
هذه العبارة، غير موجودة أصلا في نص الآية، وهي جواب شرط إذا الخاص بوعد الآخرة، وقد حُذفت، لدلالة جواب شرط إذا الخاص بوعد أولاهما. ولتوضيح عمل (إذا) وما يعنيه شرطها وجوابها، نقول نستعمل (إذا) عادة، إذا أردنا تعليق فعل معين (ويسمى جواب شرط إذا) ، بفعل آخر (ويسمى شرط إذا) ، كأن تقول لزوجتك على سبيل المثال:"إذا حصلت على ترقية في نهاية الشهر، اشتريت لك ذلك الخاتم"، فالذي ذهبت إليه في الواقع، هو أنك علّقت عملية شراء الخاتم، الذي رغبت فيه زوجتك، بعملية حصولك على الترقية الموعود بها آخر الشهر، فإن لم تكن هناك ترقية، فلن تحصل زوجتك المسكينة على الخاتم. فشرط (إذا) هو (الحصول على الترقية) ، وجواب الشرط هو (شراء الخاتم) . وبعبارة أخرى نقول أن حصول زوجتك على الخاتم متعلّق بالحصول على الترقية.
وبإعادة عبارة (بعثناهم عليكم) المحذوفة، يصبح النص كما يلي (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ - بعثناهم عليكم - لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ) . وعبارة (وليسوءوا وجوهكم) ليست جوابا للشرط، لارتباطها بلام كي، حيث جاءت العبارة لتعليل البعث وتوضيح الغاية منه. وضمير الغائب (هم) في (بعثناهم) يعود على العباد أنفسهم، وضمير المخاطب (كم) في (عليكم) ، يعود على بني إسرائيل.
وخلاصة القول: أن هذه المرة هي الأخيرة من المرتين، وأن تحقّق البعث متعلّق بمجيء الموعد المحدّد، وبما أن الضمير في كلمة (بعثناهم) يعود على نفس العباد، فإن عباد البعث الثاني، هم نفس عباد البعث الأول.
لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ:
إساءة الوجه، أن يُفعِلَ بِالإنسان ما يَكْرَه، وأساءه نقيض سَرّه. وفي الواقع أن فِعل الإساءة، لن يقع على الوجوه بشكل مباشر، وإنما على المظاهر والمقومات المادية، التي مكّنتهم من العلو والاستكبار والاستعلاء على الناس، ليُحرموا هذه الميزة بتبادل الأدوار مع أولئك العباد. ويكسبوا ميزة جديدة، هي الاستضعاف والذل والانخفاض، بتبادل الأدوار مع الفلسطينيين، ومن ثم ليقع فيهم، ما أنزلوه بالفلسطينيين طيلة مدة علوهم، من قتل وأسر وتعذيب وسلب للأراضي والممتلكات، وإتلاف وهدم، على قاعدة الجزاء من جنس العمل، (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ(14 التوبة) . وضمير الغائب (واو الجماعة) في (ليسوءوا) ، يعود على نفس العباد، وضمير المخاطب (كم) في (وجوهكم) ، يعود على بني إسرائيل.
والذي سيظهر على الوجه، هو تعابير الاستياء، التي تنتج في الغالب، عن مشاعر تجيش بها النفس البشرية، كالألم والحسرة والغيظ والخزي والذل، عندما تتعرض للأذى النفسي، الذي غالبا ما يكون ناتج، عن فقدان مادي لما هو جيد، أو كسب ما هو سيئ، أو كلاهما، وتعتمد درجة الاستياء على درجة الفقد أو الكسب، والذي سيفقده اليهود، هو السيادة والغنى والقوة.