فهرس الكتاب
ونجد وصف لتعابير وجه، يشعر صاحبه بسوء ألمّ به، لحرمانه من الذكر، بولادة الأنثى، التي ستجلب له العار مستقبلا، في قوله تعالى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ... (59 النحل) ، ونجد وصف آخر لتعابير وجوه الذين اقترفوا السيئات، عندما استيقنوا أن لا مفر ولا عاصم من أمر الله، وأنهم سينالون جزاء سيئاتهم، فتملكّتهم مشاعر اليأس والقنوط من النجاة، في قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(27 يونس)
توحي عبارة (ليسوءوا وجوهكم) ، أن ما سينزل بهم من عقاب، على أيدي هؤلاء العباد، شديد الوقع، وبالغ الأثر والتأثير في نفوسهم، مما سيعكس بالضرورة آثار المساءة على وجوههم. لدرجة أنه سبحانه، أورد نفس التعبير، في وصفه لحال الكفار عند رؤيتهم لعذاب جهنم، في قوله تعالى (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ(27 الملك) . فالعقاب الذي سيحلّ باليهود قريبا، ليس له نظير، ولا يُمكن أن يتأتى هذا العقاب، إلا من قبل أناس يملؤهم الحقد والكراهية، ولديهم رغبة شديدة وملحة للانتقام، من بني إسرائيل لسبب أو لآخر.
قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ(32) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، أَنْ يُقَتَّلُوا، أَوْ يُصَلَّبُوا، أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33 المائدة)
تبين الآية الأولى، عظم مكانة النفس البشرية عند الله، إذ ليس لأحد كان، إزهاق أرواح الناس سوى خالقها، فهو الذي يحيي ويميت، ومن أزهق روحا بغير نفس أي قصاصا، أو لمنع الفساد في الأرض، كإقامة الحدود الموجبة للقتل، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن قام بهذا الأمر، خارج نطاق ما تقدّم من موجبات القتل، فقد أعلن حربه على الله. وأن من أعلن حربه على الله، في الآية الثانية، حُصر جزاءه من قبل رب العزة، بأربعة خيارات، تنفّذ فيه في الحياة الدنيا، من قبل من أوكله الله بذلك، حسبما يرتأيه منفذ الحكم، إذ لا جناح عليه فيما أُنزل به من عقوبة.
والملاحظ أن هذا البيان جاء عامّا، ولكنه ارتبط ببني إسرائيل بشكل خاص، مما يوحي أن عقابهم في المرتين، شمل وسيشمل على ما يبدو هذه الخيارات مجتمعه، بالقتل والصلب والتنكيل والسبي، وبما أن النتيجة النهائية لهذا العقاب، هي زوال علوهم في فلسطين، فهذا يعني رحيل من بقي حيّا فرارا، عن فلسطين نهائيا، يجرّ أذيال الخيبة والهزيمة. وستفيض قلوب كل اليهود في كافة أرجاء العالم، بمشاعر الذل والخزي والعار والهوان،، مما يدعو القاصي والداني، للشماتة بهم وبمن يشدّ على أيديهم. وهذا ما تؤكده الآيات الكريمة، بأن جزاءهم سيكون من جنس عملهم.
وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ:
يعتقد الكثير من المسلمين هذه الأيام، أن ذكر المسجد في هذا الموضع، يترتب عليه أن من سيدخله، وأن تحريره مقصورا على حملة لواء الإسلام، أو بتعبير أدق أولياء الله وخاصته، يوحدهم ويقودهم خليفة يفوقهم ولاءً لله ولدينه، وفي الأذهان صورة ابن الخطاب، رضي الله وأرضاه عنه، وصلاح الدين رحمه الله، ومن منا لا يتمنى ذلك.
ولكن يحضرني هنا قول الشاعر:"ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"، فلو عدنا بالذاكرة، إلى دخوليّ عمر وصلاح الدين، ستجد أنهما لا يتفقّان مع ما جاء في سورة الإسراء، لسببين، الأول؛ كان الدخول على النصارى في المرتين، والثاني؛ أن الجوس للديار لم يقع فيهما، وكذلك الإساءة لوجوه اليهود. بالإضافة إلى أن الدخول في المرتين، كان فتحا وليس عقابا لأحد.