فهرس الكتاب
ويبدو وكأنّ المسألة، هي لفظ المسجد الذي أورده تعالى، للتعريف والتأكيد، على أن الأرض التي ذُكرت في الآية (4) ، هي الأرض التي تحوي المسجد أي مدينة القدس.
والسؤال هنا هل المساجد خاصة بالمسلمين فقط؟ بكل تأكيد نعم، ولكن لفظ المسجد لا! نحن نعلم أن حادثة الإسراء كانت في مكة، وأن سورة الإسراء أُنزلت فيها أيضا، وأن الله سبحانه وتعالى لمّا سمّاه بالمسجد الأقصى، لم يكن للمسلمين فيه ناقة ولا بعير، ولم يكن قائما أصلا. وعبادة السجود لله كانت قد سبقت، منذ آدم عليه السلام، إلى يومنا هذا، فاقرأ قوله تعالى (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا(58 مريم) وقوله تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ(113 آل عمران) وكل مكان اتخذوه للسجود، سمّاه الله في القرآن مسجدا، والمقصود المكان وليس البناء.
انظر قوله تعالى (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا(21 الكهف) . ومع أن أصحاب الكهف، كانوا من أتباع عيسى عليه السلام، فإن الذين غلبوا على أمرهم في الواقع، أقاموا عليهم مكانا للعبادة. وجاءت تسمية القرآن له بالمسجد، على اعتبارهم له، والقصد من بنائه، أما أنه مسجد خاص بالمسلمين فلا، والصلاة بالنسبة للمسلمين في هذا المسجد، منهيٌ عنها، وبالرغم من ذلك سّماه القرآن مسجدا، لأنهم اتخّذوه مكانا للعبادة، التي أحد أركانها السجود. وضمير الغائب (واو الجماعة) في (وليدخلوا) ، يعود على المبعوثين.
وخلاصة القول: أن هؤلاء المبعوثين لم يتبين، بنص صريح ولا بتلميح بأنهم من خاصة عباد الله. وأن الله نكّرهم وقصد تنكيرهم، لأمر اقتضته الحكمة الإلهية، التي وضحنا جانبا منها فيما سبق. وأن معتقدهم غير واضح من حيث الإيمان أو الكفر، وما زالت كل الاحتمالات قائمة، فربما يكونوا مؤمنين أو مسلمين أو وثنيين أو ملحدين. ومن قال بعكس ذلك فقد جانبه الصواب، بلا أدنى شك. والأمر الأكثر وضوحا، هو اتحاد المبعوثين أولا وثانيا، أي خروجهم من نفس الأرض في المرتين، مهما طال الزمن أو قصر وتعاقبت عليها الأجيال، بمعنى أن أصحاب البعث الثاني، هم ورثة الأرض من أصحاب البعث الأول. وأنهم أولي قوة وبطش في الحروب. وأن عبارة (وليدخلوا المسجد) جاءت لتؤكد دخولهم، لقلب الأرض المقدسة، وسيطرتهم عليها بالكامل.
كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ:
قوله تعالى (كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، هو تشبيه للدخول الثاني بالأول، وفي العادة عندما يروي شخص لآخر، قصة وقع فيها ذِكرُ حدثٍ يحتاج إلى وصف، سواء كان هذا الحدث، قد وقع ولم يشهده المستمع، أو سيقع في المستقبل، فبدلا من أن يستغرق الراوي، في وصف هذا الحدث وسرد حيثياته، على حساب مجمل أحداث القصة، يعمد الراوي إلى تشبيه الحدث المراد وصفه، بحدث آخر مألوف ومعروف من الماضي أو الحاضر، لتقريب صفة الحدث موضوع الخطاب لذهن المستمع، ومن ثم يكمل سرد بقية الأحداث.
قال تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا، كَمَا، يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ(275 البقرة) حيث شبه سبحانه قيام آكل الربا يوم القيامة، مجهول الصفة بالنسبة لنا، وهو حدث سيقع مستقبلا، بقيام الممسوس أي المجنون، وهو حدث ومشهد قد رأيناه ونراه في الماضي والحاضر، مرارا وتكرارا، ومعروف ومألوف لذهن المستمع، ونستطيع استرجاع ذلك المشهد من الذاكرة، لنرى مشهدا مؤلما ومخزيا، لآكل الربا عند بعثه، يتميز به عن غيره، فيقوم مفزوعا متحفزا مشوشا، لا يهدأ له بال، ولا تستكين له حال.
ولتوضيح الأمر أكثر، فلو أن زوج مدح زوجته - على سبيل المثال - مُبديا إعجابه بجمالها قائلا: (وجهك كالمريخ) ، فهل ستكون الزوجة قادرة، على معرفة مدى حبه لها، في حال، لم تكن عالمة بماهية المريخ وصفته، من حيث الجمال والقبح. وهل أبان هذا التشبيه، بغير المألوف والمعروف للزوجة، وظيفته في تعبير الزوج عن مدى حبه لها، أم أنه زادها حيرة واضطرابا وشكّا. لذلك يُشبّهون جمال