فهرس الكتاب
النساء، إذا أريد المدح، بالقول: (وجهك كالبدر ليلة تمامه) وهي صورة معروفة ومألوفة لكل البشر، تستطيع النساء استرجاعها من الذاكرة وتخيّلها واستيعابها، ومعرفة مدى حب زوجها لها.
واستخدام التشبيه في الآية (7) أفاد أمرين:
أولا؛ أنّ دخول المسجد أي بيت المقدس حاصل في المرتين، وهذا يدحض قول من ذهب، إلى أن أيّ من المرتين، كانت أو ستكون في غير بيت المقدس.
وثانيا؛ تشابه صفة الدخول في المرتين الأولى والآخرة بالدخول عنوة. لقوله تعالى في وصف الدخول الأول (فجاسوا خلال الديار) وهذا يدحض قول من ذهب، إلى أن المرة الأولى كانت للمسلمين، كون دخولهم إليها، لم يحمل صفة الجوس.
ولكي يستقيم فهم هذه العبارة، نود أن نُشير إلى أن الخطاب لبني إسرائيل، لم ينقطع، بل ما زال موّجها إليهم، فالمُخاطَب في قوله تعالى (كما دخلوه أول مرة) هم بنو إسرائيل. واقرأ هذه الصياغة للنص، (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ - بعثناهم عليكم - لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ، وَلِيَدْخُلُوا - عليكم - الْمَسْجِدَ، كَمَا دَخَلُوهُ - عليكم - أَوَّلَ مَرَّةٍ / انقطاع الخطاب والعودة إلى الجمهور / وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) .
وهذا يعني أن المعرفة، بصفة الدخول الأول، محصورة ببني إسرائيل فقط، وهذا يقودنا إلى أن معرفة اليهود المعاصرين المخاطبين، لصفة هذا الدخول بالضرورة، تحصّلت لهم مما لديهم من كتب تحكي تاريخهم، ومجمل تاريخهم القديم موثق في التوراة، ويعلم سبحانه أن آباءهم القدماء، قد وثّقوا صفة الدخول في كتبهم، فلذلك شبه الدخول الثاني لهم بما يعرفون. وإن أردت معرفة صفته كمسلم، لا بد لك من الرجوع إلى كتبهم، وهذا الفهم يقودنا إلى مراجعة تاريخهم كاملا، لنتعرّف على صفة الدخول الأول، كما وردت في الآية (5) ، وهذا ما سنفعله في الفصول القادمة.
والحقيقة أن هذا الحدث المفجع والرهيب الذي نزل بهم، كان له بالغ الأثر في نفوسهم، حيث شكّل لهم الكثير من العقد، فضلا عما كان لديهم في السابق. جعلت منهم شعبا مجرما حاقدا، على البشرية جمعاء، وعلى أولئك العباد، الذين ساموهم سوء العذاب في المرة الأولى. وما جاء التشبيه هنا، إلا لتذكيرهم بحدث يعرفونه كما يعرفون أبنائهم، ومن لم يعرفه منهم، أو خانته ذاكرته، يستطيع الرجوع إلى توراتهم، قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(146 البقرة) ، وجاء هذا التشبيه والتذكير، لإنذارهم وتحذيرهم من مغبة العودة إلى العلو والإفساد، وما ينتظرهم من خزي عذاب الدنيا، وهول عذاب الآخرة.
والعجيب في الأمر، أنّ الباحثين في هذا الموضوع حديثا من المسلمين، كانوا قد أهملوا أكبر وأعظم موسوعة تاريخية سماوية، موجودة بين أيدينا، أقصد القرآن الكريم الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(42 فصلت) ، ولم يرجع إليها أحد، مع أنه كاد ألا يترك سورة من سورهِ، إلا وأرّخ فيها لبني إسرائيل، فعلوهم الأول ونشأته وإفسادهم في الأرض المقدسة، ظاهر ماثل للعيان بما لا يترك مجالا، للتقوّل أو الاجتهاد. وأما فيما يخص عقاب الوعد الأول، فقد وردت إشارات كافية في هذه الآيات، وفي مواضع أخرى في القرآن، تدلّ على تحقّقه قبل الإسلام.
وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا:
في المُعجم:"قال ابن جني: لا يقال له تِبْر، حتى يكون في تراب معدنه، أو مكسورا، قال الزجّاج: والتبار الهلاك، وتبّره تتبيرا أي كسّره وأهلكه، وتبّره أي كسّره وأذهبه، وفي التنزيل العزيز (وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا(28 نوح) قال الزجاج: معناه إلا هلاكا،"