الصفحة 42 من 330

ولذلك سمي كل مُكسَّرٍ تِبرا، وفي قوله عز وجل (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا(38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39 الفرقان) قال: التتبير التدمير، وكل شيء كسّرته وفتّته فقد تبّرته"."

والمعنى العام للعبارة، هو (وليُدمّروا ما علوا تدميرا) . وقد جاءت صيغة المفعول المطلق (تتبيرا) ، زيادة في المبالغة، وتأكيدا للفعل (وليتبروا) . وسواء كانت (ما) ظرفية، أو اسم موصول، بمعنى (الذي) ، لتشمل المكان والزمان والكم.

هنا حصل انقطاع في الخطاب الموجه لبني إسرائيل. وأصبح الحديث موجها للجمهور، مضيفا تعقيبا حول مصير علو بني إسرائيل، فالضمير واو الجماعة في (علوا) عائد على بني إسرائيل أنفسهم. والعبارة (وليتبّروا ما علوا تتبيرا) جاءت للتعقيب على ما فعله بني إسرائيل أنفسهم، بمقومات هذا العلو، مما كان سببا في زواله. ليُصبح المراد هو أن علو بني إسرائيل، حمل في أحشائه بذرة دماره منذ نشأته، بعدم الولاء لله، وعدم اكتراثهم، بِحثِّه لهم على الإحسان وتحذيره لهم من الإساءة. بل اعتمدوا على غير الله، في تحصيل هذا العلو، وإدامته وحمايته من الزوال، بالفساد والإفساد والإثم والعدوان.

ليتبيّن لنا أن الحديث عن الوعد الثاني، انتهى بقوله (كما دخلوه أول مرة) . وأن عبارة (وليتبّروا ما علوا تتبيرا) جاءت تعقيبا على قوله تعالى في بداية القصة (ولتعلن علوا كبيرا) في الآية (4) ، ليؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن هذا العلو الموصوف بالكبير في الأرض، والذي تحصّل عليه بني إسرائيل ببعدهم عن الله، سيصبح هباءً منثورا بما كسبته أيديهم.

ومن تعريفنا السابق لمفهوم العلو، نجد أن العلو مظهر من مظاهر الحياة، كما الغنى الذي يتحصّل بامتلاك المال الوفير، وكما الفقر الذي يتحصّل بامتلاك المال القليل، ويتم تحصيله من خلال امتلاك مقومات مادية، تتمثّل في السيادة على الأرض وأهلها، وسياستهم والتحكّم في مختلف شؤونهم، والقدرة بامتلاك القوة، والغنى بامتلاك المال والموارد المادية الأخرى. والحقيقة أن اليهود في هذا العصر، لم يقتصر علوهم على فلسطين فحسب، بل شمل أمريكا وبريطانيا والكثير من الدول الغربية. فَهُما شكل من أشكال الإفساد اليهودي في الأرض، وأداة للعدوان على الشعوب، بأيدي اليهودية العالمية.

وبما أن العلو مظهر، والمظاهر لا تُدمّر تدميرا، وإنما تزول زوالا بفقدان أسبابها ومقوماتها، كما أُزيل علو فرعون، بتدمير ما امتلك من مقومات علوه، في قوله تعالى (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ(137 الأعراف) . ونلاحظ أن الله تبارك وتعالى لم يأت بالمصدر (علوهم) ، ليقول (وليتبروا علوهم تتبيرا) ، وإنما قال (وليتبروا ما) . لأن المقصود تدميره هنا، ليس العلو بحدّ ذاته، وإنما تدمير (ما) علا عليه أو به أو فيه، بنوا إسرائيل بامتلاكه والسيطرة عليه، مما مكّنهم من الإفساد في الأرض، أي تدمير كل ما يقع تحت كلمة (ما) ، مما يمتلكونه من مقومات لعلوهم. لتشمل المكان والزمان والكم لهذا العلو، الموصوفة بالتفصيل في الآيتين (4و6) ، والتي تتلخص فيما يلي:

-تدمير القوة العسكرية المتطورة، والتي مكنتهم من العلو واستمراريته، ورد الكرة على أعدائهم.

-ذهاب الأموال والبنين والإمداد، الذي كان يتوفر لهم في حروبهم السابقة.

-استلاب وتدمير الأمكنة، التي يتمتعون فيها بالعلو، في شتى بقاع الأرض.

لذلك جاء التعقيب، بعد نهاية ذكر عقاب وعد الآخرة بإساءة الوجه، وبدخول المسجد. وجاء هذا التعقيب مُتأخرا عنهما، لأن زوال العلو بشكل نهائي، سيكون كعاقبة أو نتيجة، لنفاذ وعد الآخرة فيهم، ويبدوا لي أن زوال العلو اليهودي في العالم، سيأتي على مراحل، ليبدأ في فلسطين، ومن ثم يمتد لأمريكا وبريطانيا وفرنسا والغرب إجمالا، بإذن الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت