الصفحة 43 من 330

وربما يذهب البعض إلى أن هذه العبارة، جاءت للتعقيب على ما فعله هؤلاء العباد، بعلو بني إسرائيل في وعد الآخرة، على اعتبار أن الضمير واو الجماعة في (وليتبّروا) عائد على العباد. ولكن هذا غير صحيح، لأن ذلك يعني استمرارية الخطاب، فلو أن الخطاب لبني إسرائيل استمر، لجاءت العبارة على النحو التالي (وليتبّروا ـ ما علوتم ـ تتبيرا) ، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، لم يُذكر في التعقيب شيء يخص وعد الآخرة، بذكر كلمة وعد مثلا، كما جاء في التعقيب على الوعد الأولى، بقوله (وكان وعدا مفعولا) ، وإنما جاء التعقيب الأخير، على بني إسرائيل، المذكورين بالاسم في الآية الرابعة، لعود ضمير الغائب واو الجماعة عليهم، في كلمة (وليتبروا) ، وكذلك على علوهم الكبير، الموصوف في الآية الرابعة أيضا، لاتصال ضمير الغائب العائد عليهم (واو) ، في كلمة (علوا) .

ولو فرضنا جدلا استمرارية الخطاب، فهل يُعقل أن يُدمّر المسلمون، ما تحصّلوا عليه من مقومات العلو الصهيوني، بعد أن يكونوا قد أوقعوا فيهم، القتل والتنكيل والسبي والنفي، وتمّت لهم السيطرة الكاملة على الأرض بدخول القدس؟! طبعا لا. بل على العكس تماما، سيكونون بأمس الحاجة، لما تحصّلوا عليه سالما من مال وعتاد، لاستخدامه في المواجهة الحقيقة المقبلة مع الغرب.

وخلاصة القول: أن كل ما علا بنو إسرائيل عليه أو به أو فيه، سيصله الدمار لا محالة، لعموم لفظ العلو، حتى علوهم في الغرب، إذ أن الذي أبقى علوهم قائما ومستمرا في فلسطين، هو علوهم في الغرب. ولذلك يصبح دمار الدول الغربية أمر محتما، ليزول علو بني إسرائيل فيها أيضا بشكل نهائي، وبذلك تنتفي تماما قدرتهم على العلو مرة أخرى، إذ أن هذا العلو، هو علوهم الأخير في الأرض وأن أفعالهم ستكون سببا في زوال علوهم هذا، وستجد مزيد من تفصيل هذه العبارة، في الجزء الثالث من الكتاب.

خاتمة السورة:

والآن لننتقل إلى خاتمة سورة الإسراء، حيث ذُكر وعد الآخرة مرة أخرى. أما سبب مجيء هذه الآيات في آخر السورة فهو لسببين: أولا؛ إظهار الإعجاز العددي في القرآن، الذي سنظهره بإذن الله لاحقا، ثانيا؛ للتعقيب على الوعد الثاني في بني إسرائيل بعد نفاذه، وما سيكون ممن علموا بتفاصيل هذا الوعد قبل نفاذه، وما سيكون منهم بعد نفاذه، تماما كما جاء به القرآن.

(وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكمْ لَفِيفًا(104) وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)

مختصر ما قيل في هذه الآيات، في تفسير الألوسي:

" (جئنا بكم لفيفا) ؛ أي مختلطين، وفسره ابن عباس (جميعا) ، وبكم؛ جاءت لتغليب المخاطبين على الغائبين، (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) ؛ عود إلى شرح حال القرآن الكريم، فهو مرتبط بقوله تعالى، (لئن اجتمعت الإنس والجن) ، وهكذا طريقة العرب في كلامها تأخذ في شيء، وتستطرد منه إلى آخر، ثم إلى آخر ثم إلى آخر، ثم تعود إلى ما ذكرته أولا، والحديث شجون، فضمير الغائب للقرآن، وقد حمله بعضهم على هذا، أو للوعد المذكور آنفا، أي وعد الآخرة الذي ذُكر في الآية السابقة."

والمراد بالحق الأول؛ على ما قيل الحكمة الإلهية المقتضية لإنزاله، وبالثاني ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها، أي ما أنزلناه إلا ملتبسا بالحق المقتضى لإنزاله، وما نزل إلا ملتبسا بالحق الذي اشتمل عليه، وقيل الحق في الموضعين الأمر المحفوظ الثابت، (وما أرسلناك إلا مبشرا) ؛ للمطيع بالثواب (ونذيرا) ؛ وللعاصي من العقاب، فلا عليك إلا التبشير والإنذار لا هداية الكفرة المقترحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت