(وقرءانا فرقناه) ؛ أي أنزلناه منجما مفرّقا (على مكث) ؛ أي تؤدة وتأنّ، فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم، (ونزلناه تنزيلا) ؛ على حسب الحوادث والمصالح، قل للذين كفروا (آمنوا به) أي بالقرآن، (أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله) ؛ أي العلماء الذين قرءوا الكتب السالفة، من قبل تَنزُّل القرآن وعرفوا حقيقة الوحي، وأمارات النبوة، وتمكنوا من تمييز الحق والباطل، والُمحقّ والمُبطل، أو رأوا نعتك ونعت ما أنزل إليك.
(إذا يتلى) أي القرآن، (عليهم يخرون للأذقان) ؛ يسقطون بسرعة على وجوههم (سجدا) تعظيما لأمر الله تعالى، أو شكرا لإنجاز ما وعد به في تلك الكتب من بعثتك، وقال صاحب الفرائد، المراد المبالغة في التحامل على الجبهة والأنف، حتى كأنهم يلصقون الأذقان بالأرض، وهو وجه حسن جدا، أي يقعون على الأرض عند التحقيق، والمراد تصوير تلك الحالة.
(ويقولون) ؛ أي في سجودهم أو مطلقا: (سبحان ربنا) عن خلف وعده، أو عما يفعل الكفرة من التكذيب، (إن كان وعد ربنا لمفعولا) ، (ويخرون للأذقان يبكون) ؛ كرَّرَ الخرور للأذقان لاختلاف السبب، فإن الأول لتعظيم أمر الله تعالى أو الشكر لإنجاز الوعد، والثاني لما أثّر فيهم من مواعظ القرآن، أي ساجدين باكين من خشية الله تعالى، ولما كان البكاء ناشئا، من الخشية الناشئة من التفكّر، الذي يتجدّد، جيء بالجملة الفعلية (يبكون) المفيدة للتجدد، (ويزيدهم) ؛ القرآن بسماعهم له، (خشوعا) لما يزيدهم علما ويقينا بأمر الله تعالى، على ما حصل عندهم من الأدلة". من تفسير الألوسي."
جِئْنَا بِكمْ لَفِيفًا:
هذا ما قيل في (لسان العرب) في كلمة لفيف (مُجتَمِع ملتف من كل مكان) ، و اللفيف؛ (القوم يجتمعون من قبائل شتى ليس أصلهم واحدا) ، واللفيف؛ (ما اجتمع من الناس من قبائل شتى) ، واللفيف؛ (الجَمْع العظيم من أخلاط شتى فيهم الشريف والدنيء والمطيع والعاصي والقوي والضعيف) . والملاحظ أن معاني الكلمة جاءت بمعنى جَمْع لا جميع، والحقيقة أن الذي تم على أرض الواقع، هو المجيء والجمع من أماكن شتى. وأن مجيئهم جميعا لن يتحقق، لأنهم يتمتّعون بصفات طفيلية، لا تمكّنهم من ترك الدول الغربية الغنية، والعودة إلى فلسطين.
أما الآيات (104 - 109) ، وكما عقب سبحانه بعد ذِكره لوعد الآخرة في بداية السورة. جاءت بعد ذِكره تعالى لوعد الآخرة، في نهاية السورة، تعقيبا على إنزاله هذا الوعد بنصه في القران، كما أُنزل في كتاب موسى عليه السلام من قبل، حيث قال سبحانه (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106) أي وبالحق الذي أوجبته الحكمة الإلهية، أنزلنا خبر هذا الوعد في القران، الذي نزّله على عبده تنزيلا، وفرّقه ليُقرأ على الناس على مكث، وبالحقّ والصدق والخبر اليقين جاء هذا القران، بهذا الوعد - مما سيكون من شأن بني إسرائيل - بكل تفاصيله وملابساته، بما لا يدع مجالا للشك أو التقوّل.
والحكمة الإلهية التي اقتضت إنزاله، كما جاء من نص الآيات، هي:
أولا: زفّ البشرى للمؤمنين الصابرين المرابطين المتمسكين بدينهم المخلصين له (وَيُبشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9 الإسراء) ، بأن الله لن يخلف وعده الذي وعد، وأن ما وعدهم الله، لا محالة واقع ولو بعد حين، ليحثهم على التمسك بدينهم والتحلي بالصبر، وعدم الاستعجال لأمر الله والركون لليأس، فكلما ادلهمت الخطوب بالمؤمنين وضاقت السبل - كما هذه الأيام - كان الفرج، قاب قوسين أو أدنى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، جَاءَهُمْ نَصْرُنَا، فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ، وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ(110 يوسف) .