الصفحة 45 من 330

وثانيا: إنذار لبني إسرائيل (الذين لا يؤمنون بالآخرة) ، والمكذبين والمتشكّكين ممن غرتهم الحياة، وآمنوا بما يقوله الواقع، مع عدم قراءتهم له بشكل صحيح، أكثر من إيمانهم بالله، وما جاء في كتابه الذي أنزل، من غضب الله عليهم، وتحذيرا لهم من عقابه في الدنيا والآخرة (وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(10 الإسراء) .

وثالثا: تحصّل الإيمان لمن لم يؤمن بعد، وتجدّد إيمان المؤمنين، وزيادةً في اطمئنان قلوبهم، عند نفاذ هذا الوعد، كما جاءت صفته في القرآن. حيث قال سبحانه للناس كافة، على وجه التبكيت والتهديد شديد اللهجة، (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ... ) من أمر هذا الوعد وهذا القرآن، أنّ هذا الوعد لا محالة واقع، وإيمانكم به وبالقرآن وعدمه سواء. وأن من كانوا قد علموه، وسبق لهم الإيمان به وتصديقهم له قبل تحققه، ( ... إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبلِهِ ... ) ، لإيمانهم بمن أنزله وصِدق ما جاء في كتابه، سيكون هذا حالهم، عند تحققه وبعد تحققه (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا(107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) ، أي أنهم إذا تُليَ عليهم ذِكر هذا الوعد، عند وبعد تحققه، خرّوا للأذقان سجدا، قائلين: (سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا) ، وسيكون هذا حالهم مرة تلو مرة، كلما تُليت عليهم آيات هذا الوعد (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا(109) وما أن يقوموا، حتى لا تكاد تحملهم أرجلهم، وتغلب عليهم مشاعرهم، من شدّة التصديق وشدّة الإيمان، فيعودوا ليقعوا ساجدين خاشعين، لمن لا يُخلف وعده.

(عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا(8)

عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ:

بعد نفاذ الوعد الثاني، يوجه سبحانه الخطاب، للبقية الباقية من بني إسرائيل، الذين نجوا من هذا العذاب، ولم يطلهم عقاب وعد الآخرة، لعلّهم يعتبرون مما حصل، بعد أن رأوا ما رأوا، ما حلّ في بني قومهم، لما علوا وأفسدوا في الأرض. فلعلهم يعودون إلى الله، ويصلحون أمورهم، فيتوب الله عليهم ويرحمهم. قال تعالى (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا، وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا، إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56 الأعراف) ، وعودتهم إلى الله تعني إعتناقهم للإسلام، لقوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ(81) ... (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ(85) ... (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(89 آل عمران) . وهذا ما لم يفعلوه سابقا، ولن يفعلوه مستقبلا، فهم أعلنوا حربهم على الله، قبل أن يعلنوها على أي شئ آخر، وهيهات أن يتوبوا، فقلوبهم كالحجارة ( ... أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ...(74 البقرة) ...

وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا:

لذلك سيستمرون بالإفساد، وسيعودون إليه مرة تلو أخرى، وهذا محمول على الشرط، فإن عادوا للإفساد بعد تحقق الوعد الثاني، عاد الله عليهم بالعقاب، وستكون هذه العودة باتباعهم للدجال، أكبر المفسدين في الأرض، وهي العودة النهائية لهم، ولا تتفق من حيث المواصفات والشروط مع كونها مرة من المرتين، وستكون نهايتهم على مشارف بيت المقدس بباب (لُدّ) ، على يديّ عيسى عليه السلام ومن معه من المسلمين، عند هروب الدجال إليها، كما روي في نفس الحديث الصحيح الطويل، الذي أوردنا بعضا منه في شرحنا لعبارة عبادا لنا، جاء ما نصه"... فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ (أي الدجال) إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ... فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ ...". ليعقّب سبحانه على ذلك بقوله ( ... وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا(8) ولا أسف ولا رحمة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت