(إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ ... وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ) :
قال تعالى في سورة البقرة ( ... وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(61) ، هذه الآية توضح حكما إلهيا مُلزما، كان فيما سبق، قد صدر بحق بني لإسرائيل، عند كفرهم وقتلهم الأنبياء، ونلاحظ أن المسكنة عُطفت على الذلة مباشرة، وأنهما تلازما في الوقوع تحت الضرب، في قوله تعالى (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) .
وفي سورة آل عمران، أُعيد نفس النص السابق، في قوله تعالى (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا، إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(112) ، ولكن بفصل الذلّة عن المسكنة، مع ضرب كل منهما على حدة أولا، ومن ثم إضافة الاستثناء التالي (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ، وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ) ، من ضرب الذلّة دون المسكنة ثانيا. ومن هنا نستطيع القول، بأن الذلّة ستُرفع عنهم في حالتين: الحالة الأولى بحبل من الله، والحالة الثانية بحبل من الناس، وأن المسكنة ستبقى ملازمة لهم، في حال رفعت الذلّة عنهم أم لم تُرفع.
جاء في معجم لسان العرب، الذُّل نقيض العزّة، وقوله تعالى (وذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًَا) ، بمعنى سويت عناقيدها ودُلِّيت أي خُفِّضت، وتذلَّلَ له أي خَضَع له، وأن المعنى المُستفاد من الذّل هو الصغار والخضوع والانخفاض، والنقيض لهذة الصفات، هو الاستكبار والسطوة والارتفاع.
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ: أي أُلزموا الذِّلة والصغار، فلا منعة لهم، بمعنى لا قوة لهم لمنع الغير، من استباحة دمائهم وأموالهم وأهليهم. وثبتت فيهم هذه الصفة، ولازمتهم على مرّ العصور، ولا خلاص لهم منها، والسبب في ضربها عليهم، هو استحقاقهم لغضب الله عليهم، لكفرهم بآياته وقتلهم الأنبياء، بالإضافة لما كان من عصيانهم لأوامره، واعتدائهم على حدوده.
أَيْنَ مَا ثُقِفُوا: أينما وُجِدوا.
هنا لا بد لنا من وقفة مع هذه العبارة، حيث يقول سبحانه، (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ، أَيْنَ مَا ثُقِفُوا، إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ) ، فالذلة ملازمة لهم، أينما أقاموا أو ارتحلوا، وهذه الذلة ستُرفع عنهم مرتين، لتُستبدل بالعلو، أينما أقاموا أو ارتحلوا، على امتداد سطح كوكب الأرض، فالعلو اليهودي لمرتين، حدث عارض في تاريخهم ومصيره إلى الزوال، أو حالة استثنائية، سيعيشها عامة الشعب اليهودي لمرتين أينما وُجدوا، وستزول هذه الحالة عن عامة الشعب اليهودي كذلك، عندما يأذن رب العزة بزوال علوهم، في المرة الثانية، وليعود كل يهود العالم أفرادا وجماعات، في شتى بقاع الأرض، إلى حالة الذلة، التي هي في الأصل، الحالة التي يستحقون بمنظور رب العزة.
والسؤال الآن، لماذا كان هذا الفصل، وهذا الاستثناء؟
إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ، وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ: الاستثناء هنا يفيد رفع حالة الذّلة، لتصبح حالهم من (الذل والصغار والخضوع والانخفاض) ، إلى العكس تماما، أي (العز والاستكبار والسطوة والارتفاع) ، وهذا مما يفيد معنى العلو، وهذا الاستثناء يوضح أن العلو سيكون على حالين، وأن العلو الأول، كان بحبل الله، أي باتكالهم على الله، في نشأته وتمكينه من خلال الوحي والنبوة، وأن العلو الثاني، سيكون بحبل الناس، أي باتكالهم على الناس، في نشأته وتمكينه من خلال المساعدات المالية والعسكرية.