وتمعنّ في جمال ودقة التعبير القرآني، واستخدام كلمة (حبل) في هذا المقام، فالحبل يُرفع به دلو الماء، من قعر البئر إلى قمته، فهو وسيلة لانتشال الشيء، من أدنى حالاته وإيصاله إلى أعلاها، ومن قوله عليه الصلاة والسلام، لصاحب الناقة"اعقل وتوكل"، نجد أنه وسيلة ربط لإحكام الشيء وإبقاءه على حاله.
وهذا ما تحقق في الواقع، فقد استطاع اليهود بعد أن كانوا في القاع، من تسلق الحبل الأمريكي البريطاني، ليصعدوا إلى قمة تمثال الحرية، ومن ثم تناولوا الحبل، وربطوه في قرنيّ التمثال، وأخذوا طرفه الآخر، ولفّوه سياجا منعيا حول دولتهم في فلسطين. حتى أصبح عامّة الأمريكيين عبيدا لليهود، يقدّمون لهم القرابين التي نعلمها، خشية أن يسحب اليهود، طرف الحبل الذي يمسكونه بإحكام، فيهوي رأس التمثال في البحر. وطرف الحبل الآخر ليس ببعيد عن أولئك العباد، فما زال ينتظرهم ليسحبوه، ليغرق التمثال وأهله.
نعلم أنّ الله قد حذّرهم من اتخاذ وكلاء غيره، في افتتاحية السورة قائلا (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا(2) . في العلو الأول لهم، كانوا قد طلبوا العون من الله، لإقامة الدولة في الأرض المقدسة، وكان اتكالهم على الله لإدامة وجودها، (إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ(246 البقرة) ، فآتاهم الله ما طلبوا (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ(16 الجاثية) فجمع لهم الملك والنبوة، في داود وسليمان عليهما السلام. وأما في العلو الثاني، كانوا قد طلبوا العون من (بلفور) لإقامة الدولة، والاتكال على بريطانيا لإيجادها، وعلى أمريكا لإدامة وجودها، فكان لهم ما أرادوا، (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا(6 الإسراء) .
ولو لم يأتي هذا الاستثناء في سورة آل عمران، وبقي على حاله كما هو في سورة البقرة، لتناقض ذلك مع قوله تعالى في سورة الإسراء، (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ، مَرَّتَيْنِ، ولَتَعْلُنِّ عُلُوًَّا كَبِيرًَا) ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ: أي الحاجة للغير والتسول بلا خجل، فلا كرامة ولا عزة ولا إباء لهم، فلا يوجد يهودي - وإن كان غنيا - خاليا من زي الفقر والخضوع والمهانة، (وهكذا تكون الطفيليات) ، بارعون في التسلق على ظهور غيرهم بمكرهم ودهائهم، لقضاء حاجاتهم الدنيوية الدنيئة.
مجيء اليهود من الشتات:
يظنّ البعض، بناءا على عبارة جئنا بكم لفيفا، أن وعد الآخرة ما زال بعيدا عن التحقق، كون تجمّع بني إسرائيل في فلسطين لم يكتمل بعد، فالكثير منهم - تقريبا النصف - ما زال في الدول الغربية، وهذا الظنّ في غير محلّه، وينمّ عن عدم معرفة بحقيقة الشخصية اليهودية. فاليهود المنتشرون كالجراد، في شرق العالم وغربه، لن يهاجروا إلى فلسطين، إلا في حالة واحدة إذا أُجبروا على ذلك مُكرهين، أو دُمّر العالم بأسره، ولم يبق إلا فلسطين ليهاجروا إليها، وهذا غير وارد في المنظور القريب، ودمار إسرائيل القادم، سيكون سابقا، بل سببا لانهيار العالم الغربي ودماره.
فاليهود كائنات طفيلية، لا تستطيع العيش بمعزل عن الآخرين من غير اليهود، وحتى الدولة اليهودية تتصف بنفس الصفة، فهي لا تستطيع البقاء والمحافظة على وجودها وكيانها، بدون المساعدة الخارجية من الدول الغربية، والتسوّل الدائم والمستمر. وهذه هي المسكنة التي ضربها الله عليهم، ولازمتهم على مرّ تاريخهم الطويل، في غناهم وفقرهم وفي ذلّهم وعلوهم. ولا أدلّ على ذلك التسويق المذلّ والمخزي والمستمر، للمحرقة النازية المبالغ فيها، والتي جعلوا منها، ومن تهمة معاداة السامية، مسمار جحا في حلق الشعوب الغربية، لابتزازها ونهب خيراتها وخاصة ألمانيا، فهم عالة على كل من آواهم، وهذا ما يشهد به تاريخهم، وكان سببا - بالإضافة إلى غدرهم ومكرهم ومؤامراتهم - في اضطهادهم، من قتل ونهب ونفي وتهجير.