واليهود هم أول من ابتكر الربا ويعيشون به وعليه، والآن هم يملكون معظم بيوت المال العالمية إن لم تكن كلها، حتى البنوك المركزية الأمريكية والبريطانية، وحق إصدار النقد فيها، فهل من المعقول أن يتركوا العجل الذهبي، ويغادروا جنّة إلههم بمحض إرادتهم؟! طبعا لا، فهذا ضرب من الخيال. لذلك أستطيع الجزم - لما تقدم - بأنّ تجمّعهم في فلسطين بكلّهم وكليلهم لن يكون، وللعلم فإن معظم المهاجرين اليهود، كانوا من بلدان أوروبا الشرقية المعروفة بفقرها، وأما الغربيون فأعدادهم قليلة جدا.
فضلا عن ذلك، لم يأتي في مجمل معاني لفيفا ما يُفيد، تجمّع كل اليهود في فلسطين، كشرط لتحقّق وعد الآخرة، والمعنى المستفاد منها هو الاختلاط في الأصول، والجمع من أماكن مختلفة، وهذا قد تحصّل، فالدول التي هاجروا منها، شملت معظم أرجاء المعمورة، وهي غنيّة عن التعريف، وهذا هو المراد.
أما فيما يخص السنن الالهية في القرى الظالمة، فقد وردت في هذا البحث الكثير من الآيات التي توضّحها، فلا أسرع من الانتقام الإلهي ليحل بها. وظلم اليهود وعلوهم واستكبارهم، وعنجهيّتهم وعنصريّتهم، ومحاربتهم لله ورسوله وأولياؤه، وقتل الأبرياء العزّل، وهدم البيوت، واستلاب الأراضي واقتلاع أشجارها واستيطانها، ومنعهم مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وتدنيسها، فاق كل تصوّر، وأوجب عقابه سبحانه لهم منذ زمن بعيد. ولولا أن الحكيم العليم جلّت قدرته وعَظُم شأنه، ضرب لهم موعد لن يُخلفوه، وأن أرضه المقدسة تزخر بأولياءه الصالحين، لأنزل الآن عليهم رجزا من السماء، كما أنزله على أسلافهم، لمجرد تبديلهم للقول والهيئة عند دخول القرية، لعنهم الله بكفرهم قليلا ما يؤمنون. ولكنّ عقابهم سيكون مختلفا، رحمة من ربك بعباده الصالحين هناك، لكيلا يسوءهم العذاب، فضلا عمّا أساء لهم أولئك الأوغاد. فليرتقبوا إنّا مرتقبون (فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ) ، و (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(4 نوح) .
تعني عملية ربط نفاذ وعد الآخرة، بتجمّع كل اليهود في فلسطين، أن وعد الآخرة، لن يتحقق حتى قيام الساعة، وهذا مخالف لما نراه على أرض الواقع، حيث وصل الظلم اليهودي أقصى مداه، ومخالف أيضا لما تحكيه النصوص، إذ أن هناك عودة أخرى للإفساد، وهناك عقاب آخر، سينطق فيه الحجر والشجر، قبل قيام الساعة، التي أصبحت أشراطها الكبرى على الأبواب، والناس في غفلة من أمرهم.
ما تُخبر عنه الآيات، ليس نصرا للإسلام، وإنما عقاب وعذاب لليهود:
قال تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ(167 الأعراف) تقرّر هذه الآية الكريمة، بأن الله سيبعث على بني إسرائيل، من يسومهم سوء العذاب إلى قيام الساعة. إذًا هناك استمرارية للبعث، وهناك استمرارية للعذاب. وقد وقع العذاب فيهم، على أيدي وثنيون ونصارى ومسلمون، على مرّ تاريخهم الطويل. مما يؤكد أن العذاب الخاص بوعدي المرتين، هو حالة استثنائية خاصة مختلفة، عمّا تقرّره الآية أعلاه، وأن الذين سيُوقعونه بهم أناس استثنائيون أيضا، وهذا الاستثناء جاء لما يملكونه من صفات، على رأسها صفة البأس الشديد، لأن إفساد بني إسرائيل المقترن بالعلو في كلتا المرتين، أعظم من أي إفساد سابق أو لاحق، مما يتطلّب بعث أناس هم أهل، لما يريده الله لبني إسرائيل، من العذاب الشديد.
أُنزلت نصوص هذه النبوءة على موسى عليه السلام، قبل 3 آلاف سنة تقريبا من الآن، وقبل 1600سنة من مجيء الإسلام تقريبا، وكُشفت نصوصها لبني إسرائيل، بعد نكوصهم عن الدخول إلى فلسطين، وقبل سنوات التحريم والتيه. وهي في الواقع، تحكي حالتين استثنائيتين من تاريخ بني إسرائيل، يتحصّل لهم فيهما علو أمميّ في فلسطين، يشترط فيهما سبحانه، الإحسان وتجنّب الإساءة، فإن أحسنوا أحسن إليهم، وإن أساءوا أزال علوهم، وعذّبهم في الدنيا والآخرة. ووعدهم بإطالة أمد هذا العلو إليهم، طالما هم محسنون، والإساءة إليهم بعقابهم وبإزالة هذا العلو، طالما هم يُسيئون ويُصرّون على الإساءة.