الصفحة 49 من 330

ولعلمه المسبق بإفسادهم بعد التمكن من العلو فيها في المرتين، أخبرهم سبحانه بما سيكون منهم مستقبلا، مؤكدا ذلك بِقَسَم، تستشعر من خلاله التحدّي الإلهي لهم، كونهم دائبون على تحدّيه، بمحاربة رسله وأولياءه وشرائعه. وأنهم كلمّا علوا في الأرض، سيفسدون فيها، بالرغم من تحذيرهم هذا، معلنين حربهم عليه سبحانه. فينالون غضبه وسخطه عليهم، مما يستوجب العقاب. وعندما يتحصّل ذلك منهم، وعدهم ربهم بأن يبعث عليهم في كل مرة، عبادا له أولي بأس شديد، ليعيدونهم إلى موقعهم الحقيقي من الإعراب بين الأمم.

لنؤكد هنا على أن ما تُخبر عنه سورة الإسراء حصرا، هو وعد بعقاب وعذاب لليهود لإفسادهم واستعلائهم في الأرض، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، وفي التعقيب على هذا الخبر، كانت إحدى الحكم الإلهية للإخبار عنه، هي زفّ البشرى للمؤمنين. أما نصر المؤمنين، من أهل فلسطين، الذين نصروا الله بصبرهم ورباطهم وثباتهم، فالإخبار عنه والوعد به، جاء في مواضع أخرى من القرآن، فلا نخلط بين الأمرين.

من هم هؤلاء العباد، ولماذا هم، وما الذي يجري في الحقيقة؟

يؤكد النص القرآني، في الآيات من (5 - 7) من سورة الإسراء، أن العقاب الإلهي لبني إسرائيل، سيحلّ بهم على أيدي بشر. طائفة من خلقه، سخّرهم الله جلّت قدرته، من أجل القيام بهذه المهمة العظيمة، واختارهم لهذه المهمة لاتصافهم بالبأس الشديد. وطبيعة هذه المهمة هي الانتقام، وهذا الانتقام إلهي الطابع، وصفته شديد الوقع والتأثير. وبالتالي من الضرورة بما كان، أن يمتلك أولئك العباد، مخزونا هائلا وكمّا ضخما، من الحقد والكراهية الموجّه لبني إسرائيل لسبب أو لآخر، مما أوجد لديهم رغبة شديدة وملحة في الانتقام منهم، حتى يتوافق ذلك مع مقتضى الإرادة الإلهية في الانتقام، وليتجلى ذلك العذاب في أبشع صوره، كما لو أنه أُنزل عليهم من السماء. وتوحي الآيات بأن هناك علاقة عدائية، ما بين اليهود وأولئك العباد، نشأت منذ نهاية علوهم الأول، وتجدّدت مع بداية علوهم الثاني، واستمرت وتزايدت مع مرور الزمن، وأن سبق العداء والاعتداء اليهودي على أولئك العباد، سيكون السبب في خروج أولئك العباد عليهم. ولتوضيح ما خفي بين السطور، في هذا النص القرآني الكريم، سنقوم بطرح مثال قريب إلى أذهاننا.

لنأخذ مثلا، الإرادة أو الرغبة في الأكل، وهي عادة لا تأتي عبثا، وفي الغالب تتحصّل لسببين: الشعور بالجوع، أو لوجود صفة الشراهة في الإنسان. والإنسان الشَرِه يأكل في العادة، دون الحاجة للشعور بالجوع، ذلك لأنها طبع ملازم له، فتخيّل أن إنسانا كهذا، كان جائعا فضلا عن شراهته، وعند نزوله من إلى الشارع، مرّ بمطعم، فشاهد من خلال الواجهة الزجاجية دجاجة مشوية، فاستثارته بمنظرها وأسالت لعابه، بالتأكيد ستتولّد لديه رغبة شديدة، في التهام تلك الدجاجة الشهية على الفور، للشعور باللذة والمتعة، أثناء التهامها. وعندما همَّ بالدخول، تبيّن له أن المطعم مغلق للاستراحة، وحسب اللافتة الموجودة على الباب، تبين له أن المطعم لن يُفتح قبل عشر دقائق. والذي حصل مع صاحبنا، أنه لم يترك الأمر ويمضي في حال سبيله، بل أخذ الأمر على أنه موضوع شخصي، كونه ذو طبع شره، وكأن الدجاجة اعتدت عليه بتعرّضها له في الطريق، وطعنته في مقتل، فاتخذ قرارا بالانتقام منها، لكي يُزيح عن كاهله، ذلك الوضع وذلك الشعور المزري، الذي فرضته عليه تلك الدجاجة، بما سبّبته له من استثارة واستفزاز. ولكن هل يستطيع تنفيذ رغبته في الانتقام من الدجاجة؟ كلا! ... إذن لا مناص له إلّا الانتظار، لحين مجيء الموعد المنتظر، فقرّر الانتظار ريثما يفتح المطعم ... والآن تخيل سلوك ذلك الإنسان، لحظة فتح الباب وحتى لحظة وقوع الدجاجة بين يديه ... ! وتخيل ما الذي سيفعله بتلك الدجاجة حتى ينتهي من أمرها ... ! وتخيل ما بقي من حطامها ... ! وتخيل منظر الطاولة لحظة الانتهاء منها ... ! وتخيل منظره لحظة تركه لساحة المعركة ... وهو يشعر بنشوة الانتصار ... الذي حققه وباقتدار ... على تلك الدجاجة المزعجة ... !

أخبر سبحانه بأن عقابه لبني إسرائيل، سيكون من فعل البشر، والسلوك البشري في بعض من جوانبه، هو مجموعة من الحوادث المتكررة. وما نحن بصدده في هذا المقام، هو القانون الفيزيائي (لكل فعل رد فعل معاكس له بالاتجاه) ، ولكن ليس مساو له بالمقدار، فرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت