الصفحة 60 من 330

الطور) المعرّفة بألف ولام، أينما جاءت في القرآن، هو طور سيناء أو سينين، والطور هو سلسلة جبال فلسطين، التي تربض على تلالها مدينة القدس، والتي هي في الأصل جبل واحد، يمتد من مدينة نابلس شمالا إلى مدينة الخليل جنوبا.

قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى موسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ، آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا، قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا، إِنِّي آنَسْتُ نَارًا، لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ، أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ، لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ(29 القصص) قلنا أن موسى عليه السلام، كان قد ضلّ طريقه بعد خروجه من مدين باتجاه مصر،، لقوله عليه السلام (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) فوجد نفسه في أحد الأودية. ودخوله إلى الوادي كان عن طريق انحداره، بواد فرعي جنوب البحر الميت، وكان ذلك ليلا، وفي طقس بارد جدا. وأثناء التخييم هناك، كان يلتفت يمنة ويسرة، بحثا عن الدفء والهداية، فآنس نارا من جانب الجبل، فاتجه إليها بعد أن استأذن أهله، ليأتيهم بجذوة منها لأجل الدفء، أو يجد من يرشده إلى طريقه، ولكنه لم يجد نارا، ولم يجد في المكان أحد.

نور لا نار:

(فَلَمَّا أَتَاهَا ... ) ، أي النار، وقف تحتها (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ(30 القصص) وفي الواقع لم تكن نارا، بل كانت نور في شجرة، وهي الشجرة الموصوفة في قوله سبحانه (شَجَرَةٍ، مُبَارَكَةٍ، زَيْتُونِةٍ، لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ(35 النور) ، وهي (شجرة) ، (وزيتونة) ، (ومباركة) ، أي تقع في بقعة من الأرض، ينبت فيها شجر الزيتون، وهي أرض مباركة، وقوله (لا شرقية ولا غربية) ، أي لا في الجانب الشرقي من وادي عربة، ولا في الجانب الغربي منه، فهي في منتصف الوادي تقريبا، وقوله (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) ، أي لها وهج من نور، وليس ذلك من اشتعال نار فيها، فهي مضيئة من تلقاء نفسها، وقوله (يكاد زيتها يضيء) ، أي أن الإضاءة ناتجة عن زيت الشجرة، فلا يكون ذلك إلا وهي مثمرة، فالزيت يوجد في الثمر، وتشكل الزيت في الثمر، لا يكون إلا في بداية فصل الشتاء، ويؤيد ذلك طلب موسى عليه السلام للدفء، ليتأكد لنا أن دخوله إلى بطن وادي عربة، كان في فصل الشتاء، وأن الشجرة التي نوديَ من تحتها في الوادي المقدس، هي نفس الشجرة الموصوفة في سورة النور، ولا أدري لماذا يتملكني شعور قوي، بأن هذه الشجرة قائمة في ذلك المكان إلى اليوم، في منطقة موحشة ومقفرة وغير مأهولة، تضيء كلما أثمرت، في فصل الشتاء.

(فَلَمَّا أَتَاهَا) وقف حائرا أمامها، يتفكّر في أمرها، حيث أنه لم يجد ما جاء يسعى إليه، فلا نار ولا ناس يُشعلونها، وأثناء شروده، وفي سكون الليل، (نُودِي يَمُوسَى(11 طه) (مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ(30 القصص) ، أي من الجانب الأيمن من الوادي، (مِنْ جَانبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ(52 مريم) ، أي من الجانب الأيمن للجبل، وليس الأيسر، (بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ(44 القصص) ، أي الجبل الغربيّ، وهذا تحديد جغرافي بالغ الدقة لمكان الوحي.

أتاه النداء باسمه ممن يعرفه، وذلك مما آنس موسى، ليبدّد سكون ذلك الليل الموحش، ويقطع عليه شروده وتأمله، ولا أخاله إلا قد أجفل عليه السلام، ولما التفت إلى مصدر النداء، خاطبه رب العزة قائلا (إِنِّي أَنا رَبُّكَ) مطمئنا إياه ومعرّفا بنفسه، (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى(12طه) فأمره بخلع نعليه - إذ هو في حضرة ملك الملوك - ليتجه حافي القدمين، سائرا في الجانب المقدس من الوادي، صوب الجبل، قال تعالى (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا(52 مريم) أي كان الكلام مناجاة، والمناجاة عادة تستدعي القرب.

نحن نعلم أن الأرض المباركة والمقدّسة هي أرض فلسطين، وبما أن الوادي الذي نزل فيه موسى واد مقدّس، فلا بد له من يكون واقعا في الأرض المقدّسة، وبما أن الشجرة نبتت في بقعة مباركة، فلا بد لها من أن تكون قائمة في الأرض المباركة، وبما أن شجرة سورة النور زيتونة مباركة ومضيئة، فلابد لها من أن تكون هي الشجرة، التي رآها موسى فظن نورها نارا، في بطن وادي عربة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت