وعندما اقترب موسى، بما فيه الكفاية لبدء المناجاة، ناجاه ربه قائلا (وَأَنا اخْتَرْتُكَ، فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى(13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14 طه) فأمره بتوحيده، وإفراده بالعبادة، وإقامة الصلاة، ومن ثم منحه آيتيّ العصا واليد وكلّفه بحمل الرسالة، والذهاب لدعوة فرعون ودعوة بني إسرائيل إلى الله، (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(24 طه) . وفي الصباح عاين موسى عليه السلام المكان، وحفظه عن ظهر قلب، فهو المكان الذي تغيّر فيه مجرى حياته عليه السلام، ولم كان يعلم عليه السلام، ما يدبّره رب العزة من أقدار، ستأتي به إلى هذا المكان في قادم الأيام، عند خروجه بقومه من مصر، متجها إلى بوابة الأرض المقدسة، حيث كان في أرض مدين.
موسى في مصر:
كنت أعتقد وربما يشاركني كثيرون أيضا، أن مُقام موسى في مصر، لا يتجاوز عدة أيام أو عدة أشهر على أبعد تقدير، ولكن تبين لي أني كنت مخطئا، فالأحداث والوقائع التي مرت مع موسى عليه السلام كثيرة، وتحتاج إلى سنوات عديدة، وأظنه مكث هناك ما لا يقل عن30 عاما، يدعوا فرعون وقومه وبني إسرائيل أيضا، (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ(87 يونس) فلو تفكرت في الآية الكريمة، لتبينت أن طلبه سبحانه ببناء البيوت، وجعلها باتجاه بيت المقدس، وأَمْرِه إياهم بإقامة الصلاة فيها، ما كان إلا لطول مُقام، ولو كان مُقامهم قصيرا أو عارضا، لما أمرهم بذلك. والجدل بين موسى عليه السلام وفرعون، أخذ زمنا طويلا، بدءا باللقاء الأول الذي عرض فيه موسى رسالته، وما أيّدها به من آيات - العصا واليد - ولقاء يوم الزينة حيث التقى موسى بالسحرة، وبناء الصرح (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ(38 القصص) .
بناء الأهرامات:
الصرح هو البناء الضخم والمرتفع، وأعتقد أن الأهرامات الثلاثة، هي ما أُمر هامان ببنائها، من قبل فرعون، لينظر إلى إله موسى. وفيما بعد اتُّخذت تلك الصروح، مقابر ومدافن.
إذ لو فُحِصت مادة بناء الأهرامات، لتبين أنها من الطين المشوي، لدلالة قوله تعالى (فَأَوْقِدْ لِي يَهَامَانُ عَلَى الطِّينِ) ، إذ يخبر سبحانه - وما إعلامه لنا بذلك عبثا - بأنهم كانوا يستخدمون الطين في البناء، وليس الحجارة كما يعتقد علماء الآثار، الذين حاولوا جاهدين لتفسير الآلية المعقدة والمستحيلة، في رفع تلك الصخور ذات القطع الكبير، إلى قمة الهرم حيث لم يكن لديهم رافعات عملاقة. وهذا الخبر يكشف حقيقة، ربما لم تخطر ببال علماء الآثار من قبل، ويجعل كيفية البناء غاية السهولة، حيث كان عبيد فرعون ومنهم بني إسرائيل، ينقلون الطين - وليس الصخور والحجارة - ويضعوه في قوالب مثبتة على الهرم نفسه، وكل لبنة في موقعها، وينتظرون اللَبِن حتى يتماسك، لينزعوا القوالب، وكلما أنجزوا مرحلة، قاموا بتثبيت القوالب مرة أخرى، على ما تمّ إنجازه، وبدءوا بنقل الطين ليفرغوه فيها، وهكذا دواليك، حتى يكتمل بناء الهرم. ومن الداخل ستجد أن قلب الهرم مفرغ، وستجد أن هناك سراديب طويلة غير نافذة، تتوزّع بكافة الاتجاهات، والغاية منها توزيع الحرارة، عند إشعال النار في قلب الهرم لشيّ الطين الجاف، وهي عملية تحتاج إلى وقت طويل نظريا، ولكن مع كثرة العبيد فالأمر مختلف، والآلية بسيطة وليست معقدّة، ولا توحي بأن الفراعنة كانوا جبابرة وأشداء، فبناة الأهرام هم العبيد وليس الفراعنة أنفسهم، وربما يكون شيّ الطين قد تم على مراحل، وليس دفعة واحدة. وهذه الفكرة مطروحة للمختصّين لنفيها أو إثباتها، وبذلك تكون الأهرامات، رمزا من رموز الكفر والعصيان والتمرد والتحدي الفرعوني لله ورسوله، ويكون أبو الهول هو إله المصريين القدماء، قبل أن يُعلن فرعون ربوبيته، تحديا لموسى عليه السلام وربه.