الصفحة 62 من 330

وبالإضافة إلى تلك الأحداث، التي وقعت أثناء تواجد موسى في مصر، ما وقع في قوم فرعون من البلاء الذي أنزله الله، وكلما كشف عنهم بلاء أرسل عليهم آخر، (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ(133 الأعراف) . وستجد ما مرّ بقوم فرعون من وقائع، أثناء تواجد موسى في مصر، قد سُردت بإيجاز في الآيات (103 - 136) من سورة الأعراف، والآيات (85 - 90) من سورة النمل، ومواضع أخرى متفرقة في القرآن الكريم.

وفي نهاية المطاف (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ(88 يونس) أي الغرق، فاستجيبت دعوة موسى، وهذا بالضبط ما حصل مع فرعون (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90 يونس) ولو تمعنت في قوله، لتبينت أنه لم يؤمن، لقوله (الذي آمنت به بنو إسرائيل) ، وأغلبية بني إسرائيل لم تكن تؤمن بالله، ولم يقل الله أو إله موسى تكبرا وعلوا.

فمن أصرّ على المعصية وانتهاك حدود الله بكافة أشكالها، والكفر بكافة أشكاله، وعن علم بها وبعقوبتها، ومنّى النفس بقول (لا إله إلا الله) عند الموت معلنا التوبة، أنّه لن يوفق بقولها آنذاك، لأن قولها يُوجب الجنة، وهي لم تكتب لهؤلاء. ووجوب الجنة يحتاج لدفع الثمن، وتوفير الثمن اللازم لها، يحتاج إلى جدّ واجتهاد وصبر لا محدود، وأن من كانت تلك الكلمة آخر عهده بالدنيا، كُتبت له الجنة، وما أصعب تذكّرها وقولها، أما هؤلاء فإن تذكّروها، تلعثموا بها فلم تؤد معناها، فلا توبة مع إصرار، قال تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، ذَكَرُوا اللَّهَ، فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا، وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135 آل عمران) ، وقال أيضا (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ، لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ، حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ، قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ، أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(18 النساء) .

ومعظم مسلمي هذا العصر، إلا ما رحم ربي، وهم قلة يُعدّون على أصابع اليد الواحدة، في بعض البلدان المسماة بالإسلامية، سلكوا هذا المنهج الذي حذّر منه رب العزة، (جماعة كل شيء بحسابه) ، والأغلبية هم غثاء كغثاء السيل، فلا فائدة فيهم أو تُرتجى منهم، فإن لم يكفر أحدهم بالله أشرك في عبادته، ومن لم يستجب ويطع، تولى وعصى. والأوثان كثيرة هذه الأيام، واتّخذت أشكالًا عديدة. صحيح أنها ليست من الحجر أو التمر، ولكنها أدهى وأمرّ، فنحن حاشى لله أن نعبد الحجارة، وكل ما نقدّسه فقط، كرسي ورصيد في البنك وعمارة، وتلفزيون وستالايت وخلوي، وشقراء أو سمراء في سيّارة. وناهيك عن المعاصي من أكل ربا، وسرقة وخيانة وتبرج وزنا، وقطع رحم، وأكل لحم، وشرب خمر ودم، وشتم وسب وذم.

خروج موسى ببني إسرائيل من مصر:

قال تعالى (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بعِبَادِي، فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا، لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى(77 طه) ، نتبين من ذلك أن خروج موسى بقومه إلى البحر، كان بوحي من ربه، وإن لم يخب ظني فقد اتجه صوب البحر الأحمر مباشرة، أقصى الشمال من خليج السويس، وبعد أن خرج بقومه من البحر، اتجه شرقا وشمالا بخط شبه مستقيم، متجاوزا صحراء سيناء وصحراء النقب، حيث المدخل الجنوبي لوادي عربة، وسار شمالا في بطن الوادي، حتى الجبل المعهود جنوب البحر الميت، ليستقبل الوحي بناءا على الموعد المسبق، الذي ضرب بينه وبين ربه، بعد النجاة من فرعون وقومه، قال تعالى (يَبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ(80 طه) ، وهذه الآية تدل على عدم مكوثهم لفترة طويلة، في أي من صحراء سيناء أو النقب، وأن وجهتهم كانت حيث المكان الموعود، وكان موسى يستعجل المسير وهم يبطئون، وبعد تلقيه الوحي، وما كان منهم معاصي في بطن الوادي، صعد بقومه إلى المرتفعات الشرقية، ودخل الأردن عن طريق الوادي الذي نزل به في المرة السابقة، ملتفا حول مملكة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت