الآدوميين ومملكة الموآبيين شرقي البحر الميت، ليصل إلى مكان إقامته السابق، حيث كان سفيرا لبني إسرائيل - ولم يكن يعلم بذلك آنذاك - في مدين قرية شعيب عليه السلام، ليُمَهّد لهم طيب الإقامة فيها مستقبلا.
ترتيب الأحداث التي مرت بموسى وبني إسرائيل خلال تلك الرحلة الطويلة
الصاعقة والبعث بعد الموت:
رحلته مع بني إسرائيل، في طريق العودة إلى مدين، اختلفت كثيرا عن سابقتها، فقد كانت ترافقه في هذه الرحلة أمّة بأسرها، بما لها وما عليها، وأكثرها من غير المؤمنين، وغير المطيعين لله تعالى وله عليه السلام، فكان المسير فيها بطيئا وشاقا وطويلا، قال تعالى (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ(83 يونس) ، وقال أيضا (وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ، حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ، وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ(55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56 البقرة) ، وكان قولهم هذا فور نجاتهم وخروجهم من البحر، بعدما رأوا كل ما أجراه الله، على يد موسى من معجزات، تلين لها قلوب الجبال وعقولها، فأماتهم الله ثم أحياهم، ولو نظرت إلى قولهم في الآية السابقة، واستخدام أداة الجزم والتأبيد (لن) ، تجد أن لديهم إصرار عجيب على الكفر، بما هو غيبيّ ومحجوب عن حواسّهم، رغم مشاهدتهم للآيات والآثار الدالة على وجوده، وأنهم لا يؤمنون إلا بما تدركه الحواس من أشياء مادية، وهذا ما جعلهم يقعون في فتنة العجل الذهبي بعد هذه الحادثة، وفي فتنة الدجال مستقبلا، بما لديه من فتن مادية ظاهرة للعيان، (فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ، ثُمَّ، اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ، فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا(153 النساء) ، وقد وقع هذا منهم، قبل اتخاذهم للعجل.
تفجير الماء ونزول المنّ والسلوى والتظليل بالسحاب أثناء المسير:
وبناءً على ما سبق، كان خط مسير الرحلة في معظمه في صحاري قاحلة، وكل ما كان بحوزتهم من طعام وماء أثناء الخروج، كانوا قد استنفدوه في أيامهم الأولى، قال تعالى (وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا، وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذْ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنْ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ، فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ، وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ، وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ، وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(160الأعراف) ، ومن هذه الآية الكريمة، نجد أنهم قُسّموا إلى (12) جماعة، لتيسير عمليّه القيادة، ومنّ عليهم ربهم، سبحانه عما يصفون، بأن وفّر لهم كل أسباب الراحة، من ماء وغذاء، وحتى أنه وقاهم من حر الشمس، بأن جعل السحاب يظللهم، أينما حلوا وأينما ارتحلوا، أثناء مسيرهم باتجاه الأرض المُقدّسة، وفي تلك الأثناء مرّوا على عبدة الأصنام، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم ألهة كما لهؤلاء ألهة (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ، فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ، قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138 الأعراف) .
ولا يغب عن بالنا، أن رحلة كهذه، كانت تستوجب ما بين فترة وأخرى، التخييم والإقامة لبعض الوقت، ومن ثم متابعة المسير، وهكذا دواليك، ولم تتعدى مدد الإقامة في أي من مراحل المسير، سوى أيام أو أسابيع معدودة، فهم لم يركنوا إلى مكان معين، إذ كان هناك مواعدة للقاء في جانب الطور الأيمن، في وادي عربة، وكانت هذه المواعدة جماعية لموسى ولبني إسرائيل، ولكنّ موسى عليه السلام، وبعد أن قطع شوطا كبيرا في وادي عربة، استعجل اللقاء، وعندما اقترب من المكان المحدد، استخلف أخيه هارون في قومه، وتركهم ومضى مسرعا رغبةً منه في إرضاء ربه، واعتذارا عن التأخير الذي تسبّب به قومه، من جرّاء مماطلتهم وتذّمرهم.