الصفحة 64 من 330

اللقاء الأول لموسى بربه بعد الخروج من مصر، واتخاذ العجل في بطن وادي عربة:

قال تعالى (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى(83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) وهناك كان موسى عليه السلام، مشتاقا ومندفعا فطلب رؤية ربه، وكأنه نسي ما كان من قومه، فطلب من ربه ما طلبه قومه منه (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ، قَالَ لَنْ تَرَانِي، وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ(143 الأعراف) فصُعق موسى كما صُعق قومه من قبل، وبعدما أفاق، أُعطيت له الألواح، التي تحمل في ثناياها الشريعة الجديدة لبني إسرائيل، (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ(145 الأعراف) .

ومن ثم، أخبره ربه بأن قومه فُتنوا من بعده، بعبادتهم للعجل الذهبي الذي ابتدعه السامري، (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ(85 طه) ، وكانت عقوبة الشرك بالله غاية في القسوة، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ، فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ، فَتَابَ عَلَيْكُمْ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(54 البقرة) ، وتوحي هذه الآية بأن الأمر كان مُلزما، وقبول التوبة كان مشروطا بقتل النفس، فمن رغب في التوبة آنذاك ممن عبدوا العجل، قتل نفسه حقيقة وقُبلت توبته، ومن لم يقتل نفسه، قال فيهم سبحانه، (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ(152 الأعراف) .

وبالنظر في قوله تعالى، على لسان موسى مخاطبا السامريّ (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا(97 طه) ، نجد أن العجل الذهبي، قد حُرّق ورُمي في البحر، وأقرب بحر لمقام بني إسرائيل في وادي عربة، هو البحر الميت.

اللقاء الثاني والرجفة ونتق الجبل:

وبناءً على ما كان منهم، اختار موسى (70) رجلا من أفضلهم، للاعتذار عما فعله السفهاء من قومه (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا، فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ، قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ، أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ، أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ(155 الأعراف) فشهدوا الوحي بمعية موسى عليه السلام دون سماعه، وشعروا بوجود خالقهم وقدرته، ومقدار حنقه وغضبه عليهم، بأن زلزل الأرض من تحت أرجلهم.

أخذ الميثاق، وإلزام النقباء الاثنيّ عشر بالسهر على تطبيقه، والحكم بما جاء فيه:

وهناك عُرض عليهم الميثاق ليلتزموا به، ويلزموا أتباعهم على القيام به، ويتحملوا مسؤولية نقضه، فتردّدوا وأبَوْا، فرفع سبحانه فوقهم الجبل، وأجبرهم على أخذه بالقوة، ولو أصرّوا على الرفض لأطبقه عليهم، فقبلوه على مضض، وكان الله أعلم بما يعتمل في صدورهم، ولكنه غفور رحيم، حيث قال فيهم، (وَإِذْ أَخَذْنَا ميثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا، قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ، قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(93 البقرة) . فاختير من السبعين رجلا (12) نقيبا، بعدد الأسباط (أي قبائل بني إسرائيل) وهم الذين تُسميهم التوراة بالقضاة. وهذا نص الميثاق الذي أُلزموا بالعمل على تطبيقه، بالإضافة إلى الوصايا الواردة في سورة الأنعام (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ، لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ، وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ، فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12 المائدة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت