رفض المن والسلوى وطلب القثائيات، والحكم عليهم بالنزول في موطن زراعتها:
كانت مدة المكث بادئ الأمر في الصحراء بسيطة، وذلك لتذمّرهم وعدم صبرهم على طعام واحد، أي المنّ والسلوى، فحكم عليهم سبحانه بإكمال المسير، المقدّر مسبقا، بقوله على لسان موسى (وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا، فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ(61 البقرة) ، وحيث أنه قال (مِصْرًا) منونةً، ولم يقل (مِصْرَ) بدون تنوين، فهي غير مصر التي خرجوا منها، وإنما جاءت هنا بمعنى (بلدًا) نكرة وغير معرّفة، وقوله (فإنّ لكم ما سألتم) تعني أن هذا البلد يتميّز، بأن فيه ما سأله بني إسرائيل من نبيهم، من عدس وبصل وغيره، ولو تساءلنا عن موقع هذا البلد، القريب من الأرض المقدسة، الذي يتميز بخصوبة أراضيه، ووفرة مياهه من ينابيع وآبار، ويصلح لزراعة القثّائيات، بالتأكيد ستكون الإجابة الأرض الواقعة، شرق نهر الأردن، وفي السفوح الغربية للجبال المطلة على فلسطين، وبالتحديد قرية مدين التي يعرفها موسى، ويعرف ميّزاتها وخصائصها، والله أعلم، والتي كان أهلها قد هلكوا بعذاب يوم الظلّة، قبل أو بعد خروج موسى منها، ليرثها بنوا إسرائيل مع القلة المؤمنة، من قوم شعيب التي نجت من العذاب.
دخول مدين والمُقام فيها:
قال تعالى (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(58 البقرة) ، وقال في آية أخرى (وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162 الأعراف) ، ولم يكن المقصود بهذه القرية، الأرض المقدسة، كونهم دخلوها حربا، بعد موسى عليه السلام بأربعين عاما على الأقل، وهذه القرية سُكنت حقيقة، بدخولها بلا قتال بمعية موسى عليه السلام، وقد بدّل الذين ظلموا منهم -أي العُصاة - القول والهيئة عند الدخول، فأرسل عليهم سبحانه رجزا من السماء.
وقوله قبل الدخول (وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ) و قوله لهم في النص الآخر (فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا) يوحي بأنها سكنى مؤقتة، ولم يكن لديهم علم، بأنه سيكون هناك ما بعدها، وهو الاستعداد والتهيئة لدخول الأرض المقدسة، فأفشلوا أنفسهم في الدخول الأول لتلك القرية، فاستحقوا غضب الله عليهم، وأفشلوا أنفسهم عندما أُمروا بالدخول الثاني بلا حرب، فأفشلهم الله وأذهب ريحهم. وقد قيلت هذه العبارة، لآدم عليه السلام وزوجه (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا(35 البقرة) ، قبل دخوله الجنة، ولم يكن لديهما علم بأن الإقامة فيها مؤقتة، وأن هناك ما بعدها، وسيحاطون به علما عند وقوعه، وفي موعده المقدر المضمر في علم الله، ولكن بعد فوات الأوان. وإن لم تكن مدين، هي القرية التي دخلها بنوا إسرائيل وأقاموا فيها، فهي قرية تقع في نفس المنطقة، والله أعلم.
الخسف بقارون، ورحلة موسى والفتى، وذبح البقرة:
أقام بنو إسرائيل في مدين بمعية موسى - على ما يبدو - سنين عديدة، واطمأنوا بها وإليها، وطاب لهم المقام فيها، حيث الزراعة وتربية المواشي والتجارة، وهذا هو ديدنهم، ومن الأحداث التي وقعت فيها، قصة البقرة، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ(67 البقرة) ، وقصة سفر موسى حيث مجمع البحرين، للالتقاء بالعالم، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقبًا(60 الكهف) وقصة قارون المعروفة، (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَليْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76 القصص) .