الصفحة 66 من 330

الأمر بدخول الأرض المقدّسة وتحريمها عليهم وتيههم شرقي النهر:

وبعد مدة من مكثهم في مدين، أمرهم موسى بدخول الأرض المقدسة (فلسطين) ، ولم تكن هناك حاجة للقتال آنذاك، فرفضوا وعصوا، لقلة وانعدام إيمانهم، وأخلدوا إلى الأرض، وتذرّعوا بحجج واهية ليبرّروا اتكاليتهم وعجزهم، فدعا موسى ربه ليحكم بينه وبينهم، فاستجاب له ربه، (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(26 المائدة) ، فكان تحريم الدخول لمدة أربعين سنة ومن ثم التيه في الأرض.

والتيه لغة الحيرة والضلال، ورجل تائه وتيّاه، إذا كان جسورا يركب رأسه في الأمور، وفي الحديث: إنك امرؤ تائه، أي متكبر أو ضال متحيّر. والمراد من ذلك أنهم تُركوا على رؤوسهم، وحُرموا من قيادة الأنبياء، بأن الله تخلى عنهم وحرمهم من رعايته لهم، ورفع عنهم الوحي وتركهم بلا هداية، بعد موت موسى عليه السلام، على مدى 40 سنة، ولم يُقصد بالتيه الضياع والتشرّد المكاني، في صحراء سيناء، كما كنا نعتقد سابقا. والصحيح أنهم حافظوا على تواجدهم، كأمة مكونة من 12 جماعة شرقي نهر الأردن، وأُوكلت قيادة كل جماعة إلى أحد النقباء الاثني عشر، كل حسب السبط الذي ينتمي إليه، بعد انقطاع قيادة الوحي، وهذا مما ينفي نبوة فتى موسى المسمى بيوشع بن نون. وهنا تتضح الحكمة من جراء إلقاء مسؤولية حفظ الميثاق وإقامته، على النقباء الاثني عشر بعد وفاة موسى وانقطاع الوحي والعناية الإلهية. وهذا ما حاول مؤلّفو التوراة إخفاءه بتبديل مواضع الكلم، فجعلوا المن والسلوى، تتنزّل عليهم لمدة أربعين سنة في الصحراء، وهي عدد سنين التحريم والتيه، التي كانوا يأكلون فيها البصل والعدس.

ويدّعي كتبة التوراة أن بني إسرائيل، أثناء قدومهم إلى الأرض المقدسة، بمعية موسى عليه السلام، قد قاتلوا أقواما كثيرة، شرق نهر الأردن وانتصروا عليها، ويدّعون أيضا أنهم هاجموا الكنعانيين بعد موسى، وهدموا أسوار مدينة أريحا بمعية يوشع بن نون، وأنهم أقاموا زمن القضاة غرب النهر. وهذا كله محض افتراء وتلفيق، فكيف يقاتل من طلب منه مجرد الدخول ولم يدخل، ولفظ الدخول في القرآن يوحي بانتفاء القتال. والحوار الذي دار بين موسى وقومه لدخولها، تجد نصه كاملا في الآيات (20 - 27) المائدة.

الإخبار بنص نبوءة الإفساد والعلو في الأرض:

وبعد مدة يسيره من الزمن من ذلك الحكم، كشف موسى عليه السلام النقاب عن النبوءة موضوع هذا الكتاب، وأخبر عنها قبل أن ينتقل إلى جوار ربه. وتركهم في غيهم وطغيانهم يعمهون، كما حكم عليهم ربهم، وأُوكل الأمر من بعده إلى النقباء الإثني عشر أصحاب الميثاق، ليحفظوا التوراة، وليحكموا بين الناس بما جاء فيها، ومن ذلك اليوم انتقلت مسؤولية حفظ التوراة والشريعة إلى أناس عاديين، فبدأ ظهور الأحبار، قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، لِلَّذِينَ هَادُوا، وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ(44 المائدة) .

طلب المُلك لدخول الأرض المقدّسة بعد نهاية سنوات التيه:

(إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(246)

وبعد انقضاء سنون التيه الأربعون، التي عاشوا خلالها شرقي نهر الأردن. بُعث فيهم نبيا، يدّعون أن اسمه (صمويل) . وربما لتعرضهم لضيق العيش والاضطهاد والغزو، من قبل الممالك المجاورة شرقي النهر، طلبوا من هذا النبي، أن يبعث لهم ملكا، قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى، إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(246 البقرة) بغية دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، فبُعث لهم طالوت ملكا، وأنزل الله لهم التابوت تحمله الملائكة، آية لملكه، كونهم لا يؤمنون إلا بما هو محسوس، فأعدّهم ونظّم صفوفهم، واجتاز بهم نهر الأردن، فشربوا منه إلا قليلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت