وكانت المواجهة مع الكنعانين - على الأرجح في سهول أريحا - (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ) وقتل داود - الذي كان من جنود طالوت - جالوت قائد الكنعانيين، ودخلوا القدس. ومن ثم انتقل المُلك لداود عليه السلام، بغض النظر عن الكيفية، (وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ، وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ(251 البقرة) ، ونص هذه الأحداث كاملا، تجده في الآيات (246 - 251) البقرة، وكانت هذه أول معركة يقاتل فيها بنو إسرائيل، وكان جيشهم يتألف من القلة المؤمنة، التي لم تكن قد شربت من النهر (نهر الأردن) ، وكان هذا هو الدخول الأول لبني إسرائيل إلى الأرض المقدسة.
داود عليه السلام يؤسس أول دولة لليهود في القدس:
قال تعالى (وَلَقَدْ آتَينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ(16 الجاثية) ، هذه الآية تشير إلى أن هناك خمسة أمور اجتمعت لبني إسرائيل، وهي الكتاب أي الشريعة التي تركها لهم موسى عليه السلام، والحكم أي الملك، والنبوة أي الوحي، والسعة في الرزق، والتفضيل باختيارهم لحمل الرسالة السماوية في ذلك الزمان، وقد اجتمعت هذه الأمور الخمسة في زمن مملكتهم الأولى في الأرض المقدسة، حيث كان داود عليه السلام أول ملوكها.
ملك داود عليه السلام:
معظم الآيات التي أخبرت عن داود وملكه، كانت تركّز على شخص داود، حيث اتّصف عليه السلام بالورع والتقوى وكثرة العبادة، والعلم والقوة مع شيء من اللين في المعاملة، وتوحي بأن شغله الشاغل، كان توطيد أركان دولته الحديثة، (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ(20 ص) ، وإعداد ما استطاع من قوة للدفاع عن دولته الصغيرة، التي كانت محصورة في بيت المقدس وما حولها، من هجمات الأقوام المجاورة لها من الكنعانيين، ولم يكن يسعى لتوسيع رقعة الدولة، كون الأمة الإسرائيلية آنذاك كانت قليلة - وهي لم تكثر إلا في العصر الحديث، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية، حيث رُفع عنهم القتل - ولم تكن تستدعي امتلاك مساحة كبيرة من أرض فلسطين.
صفة الجبن الملازمة لليهود ومعالجتها بابتكار داود للدروع الحربية:
قال تعالى (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ(80 الأنبياء) ، والضمير (كم) في كلمتي (لكم) و (بأسكم) ، يعود على المخاطبين بالقرآن، وهذا خبر يفيد أن داود عليه السلام، هو أول من ابتكر الدروع الحربية الحديدية، وأول من استعملها هم بنو إسرائيل، وهذا يكشف طبيعة الجبن فيهم، والحرص على الحياة، والخوف من الموت، وكرههم للقتال، (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا(96 البقرة) وصناعة داود لها يدل على معرفته بطبيعتهم تلك، فقد قالوا لموسى من قبل (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(24 المائدة) ، فالجبن والتواكل على الغير، طبيعة متأصّلة في نفوسهم، وانظر إلى قولهم (وربك) وليس (وربنا) ، فهو رب موسى، وليس بربهم، فما كانوا مؤمنين، لذلك قال فيهم موسى عليه السلام (فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(25 المائدة) ، وكان أغلبهم فاسقين وعصاة ومعتدين، حتى في زمن طالوت وداود وسليمان وعلى مر العصور، حيث قال تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78 المائدة) ، فكما تأذّى موسى عليه السلام، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(5 الصف) تأذّى منهم داود عليه السلام وهو أول ملوكهم، وتأذّى منهم عيسى عليه السلام وهو آخر أنبيائهم، ومن وقع بينهما من الأنبياء.
ولم يكن شُرب أغلبهم من النهر، عند عبورهم مع طالوت إلى فلسطين عطشا، وإنما ليستثنيهم طالوت من الخروج في الجيش للقتال، وما زالوا يفتعلون الحجج للتهرب من القتال حتى في دولتهم الحالية، فهم يدفعون بأبنائهم إلى المدارس الدينية، لتجنيبهم الخدمة العسكرية