فابتكر عليه السلام الدروع الحديدية ليلبسوها في حروبهم، مع الشعوب المجاورة، التي على ما يبدو كانت تغزوهم باستمرار، لعلها تدخل شيئا من الاطمئنان إلى تلك القلوب الوجلة، وتدفعهم إلى الذود عن حمى مملكتهم. ولو نظرت إلى واقعهم المعاصر، لوجدتهم يلبسون الدروع الواقية من الرصاص، حتى في مواجهة الحجارة، وتجدهم يتحصّنون وراء السيارات المصفحة، أو يقاتلون من وراء جدر من الإسمنت المسلح، وهذا ما يفضحهم به القرآن في مواضع كثيرة، (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ(14 الحشر) .
سليمان عليه السلام يوطّد أركان الدولة:
نظام الحكم ملكي وراثي:
(وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ(30 ص) ، (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ(16 النمل) ، نتبين من الآيتين السابقتين، أن نظام الحكم في مملكة بني إسرائيل الأولى، كان ملكيا وراثيا، في نسل داود عليه السلام. وفي سنين حكم سليمان عليه السلام، سعى إلى توسيع رقعة مملكته نسبيا، لتغطي مساحة أكبر من مدينة القدس، لتشمل ما حولها من المدن والقرى، من النهر شرقا إلى البحر غربا، ولكنها على كل الأحوال، لم تشمل فلسطين كاملة، فأهل فلسطين الأصليين لم يخرجوا منها، ولم يّبادوا، ولكنهم تقهقروا إلى ما بعد حدود مملكة سليمان، حيث كانت الممالك في تلك العصور، تقتصر على مدينة - بحجم قرية في العصر الحالي - وما حولها من سهول ومراعي، ولا أظنهم استكانوا، وسلمّوا لبني إسرائيل بالأمر الواقع، وإنما كان هناك، حروب ومناوشات، والله أعلم.
حقيقة ملك سليمان:
أما قول سليمان عليه السلام (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(35 ص) فكان ملكا شخصيا خاصا به، ولم يكن لبني إسرائيل فيه، ناقة ولا بعير، ولم يقصد به امتلاك مساحات شاسعة من الأراضي، ومظاهر ملكه اقتصرت على ما وهبه سبحانه إياه، من الممتلكات والقوة والحكم، والتي تميّز بها عن كافة ملوك الأرض ممن أتوا بعده، ومنها؛ جريان الريح بأمره، وحكمه للجنّ، واستعمالهم في البناء والغوص والقتال والصناعة، والقدرة على إذابة النحاس وتشكيله، وكثرة جنوده من الجن والإنس والطير، وكان عليه السلام قويا ورعا تقيا عالما حكيما، وفيه شيء من الشِدّة، وكان بنوا إسرائيل يرهبونه ويخافونه، ولذلك نال قسطا كبيرا من اتهماتهم المشينة، بعكس أبيه داود الذي كان لينا معهم، فقال فيهم سبحانه (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ...(102البقرة) ، وعلى ما يبدو أن الشياطين بعد وفاته عليه السلام، ادّعت أن سليمان لم يسلطّ عليهم، وإنما كان تابعا لهم، يعبدهم ويستعين بهم لقضاء مصالحه. فأشركوا بالله وعبدوا الشياطين وأباحوا السحر والشعوذة، (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ(100 الأنعام) .
أكثر ما حيّرني في أمر ملك سليمان، هو الغاية من تسخير الريح، فالروايات في كتب التفسير غير منطقية، حيث تقول أنها كانت تحمل سليمان وملأه وجنوده، على بساط خشبي عظيم، وتنقلهم من بلد إلى آخر للقتال والترفيه وغيره، ولم يرد في تواريخ الأمم التي عاصرت ملك سليمان، أنهم شاهدوا يوما بساطا خشبيا طائرا، وسورة النمل تؤكد أن سليمان وجنوده، كانوا يسيرون على الأقدام أثناء تنقلهم.
وبعد طول تفكير وتمعنّ وتدبّر في الآيات، التي تتحدث عن الريح وعن ملكه عليه السلام، تبين لي أنه كان يركب البحر، منطلقا من الأرض المقدسة، فتجري الريح بمركبه إلى حيث أراد برفق ولين في الذهاب، لتسهل عليه عملية البحث والتقصي، بدلالة قوله تعالى (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ(36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37 ص) ، وبعد انتهاء المهمة، يستعجل العودة إلى وطنه، فيأمر الريح لتجري بقوة وسرعة إلى الأرض المباركة، بدلالة قوله تعالى (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا(81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82 الأنبياء) ، وأما