الصفحة 71 من 330

حكمة الهدهد:

ولكي نفهم ما جرى من حوار وأحداث، بين سليمان وملكة سبأ، دعنا نتمعن قليلا في قول الهدهد (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ، فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ، فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(24 النمل) ، يقول الهدهد أنه وجدها هي وقومها، يعبدون الشمس من دون الله، ويعلّل ذلك بقوله أن الشيطان زيّن لهم أعمالهم، بمعنى أن الشيطان فتنهم وأوهمهم، وزيّن لهم الباطل على أنه الحق، وعمّى سمعهم وأبصارهم، فعطّل عقولهم عن تمييز الحقيقة من الوهم، فحرمهم القدرة على الحكم على معتقداهم، أهي خطا أم صواب، فعبدوا الشمس على أنها ربهم، وبذلك صدّهم عن السبيل، أي منعهم من الوصول إلى الحقيقة، وهي أن الله هو ربهم، فما دامت أبصارهم قد عميت، ويعتقدون بصوابية عبادة الشمس، فمن أين لهم الهداية، وهم على حالهم تلك. والرسالة التي وجّهها الهدهد لسليمان، من خلال هذا القول، هي أنهم بحاجة لمن يهديهم، ويُزيل الغشاوة عن أبصارهم. فتكفّل سليمان عليه السلام بهدايتهم، وبإزالة هذه الغشاوة، لعلهم يُبصرون ومن ثم يهتدون، بما أوتي من علم وحكمة، بعد أن شرَّحَ الهدهد، وشخَّصَ حالتهم المرضية، وأعطى سليمان مفاتيح الحل، والآن دعنا نتعلم منه عليه السلام، هذا الدرس العملي في الدعوة إلى الله.

الدعوة إلى الله:

كان أول خطاب وجهه سليمان لملكة سبأ وقومها، هو قوله (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(31) ، خطابا حازما واثقا قويا ومزلزلا، وكانت هذه هي الضربة الأولى، في جدار معتقداتهم الوثنية المتأصلة في نفوسهم، فقد كانت هي وقومها يعبدون الشمس، ولم يكن لديهم علم بوجود إله آخر، أولى بالعبادة من غيره، ولكن هل أطاعت؟ بالطبع لا، فتغيير معتقدات البشر عملية صعبة جدا، وتحتاج إلى أكثر من ذلك، وتحتاج إلى علم وحكمة وصبر - وانظر في سيرة نبي الهدى عليه الصلاة والسلام مع كفار قريش لتحويلهم من عبادة إلى الأصنام إلى عبادة الله - ولكن هل تأثرت بذلك العرض القوي؟ بالطبع نعم، فردت بالهدية - وكان بإمكانها عدم الرد - وذلك لتتأكد من جديّة سليمان عليه السلام، ولتَعرِف مع من تتعامل، فهي ذكية وحكيمة أيضا، وتعي موقعها وعظم المسؤولية الملقاة على عاتقها، بعكس ملأها ذوي القوة والبأس الشديد، ودلالة ذلك (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فأعاد الهدية، ووجه لها تهديدا صارما وحازما وأخيرا، (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ(37) ، فاستوعبت الرسالة، وهي أن ما لدى سليمان، خير مما لديها، وأن هذا التهديد، لا يصدر إلا عمّن يعلم حجم قوتها، ولديه من القوة أضعاف ما تملك، وأن ما يريده لأجلها شيئا آخر.

الإتيان بالعرش وتنكيره:

لذلك حملت قومها وأتته على جناح من السرعة، وفي طريقها إليه، كان عليه السلام يُعدّ لها الضربة الثانية، فطلب عرشها وأمر بتنكيره، وعلّة ذلك كانت (نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنْ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ(41) ، لاختبار مدى استعدادها للهداية للدين الجديد، وليس المقصود هو اهتدائها إلى العرش. كان همّه عليه السلام هدايتها وقومها، وليس الزواج منها، كما صوّرته بعض الروايات في كتب التفسير.

وكان جلب العرش بحدّ ذاته، كفيلا بتحطيم ذلك الجدار الذي تمترست خلفه. وقد تحطّم بداخلها فعلا عندما رأته وعرفته، لكنها أضمرت ذلك وتمالكت نفسها. ولما سُئلت عنه، لم تُثبِت ولم تَنفِ، وكان بمقدورها أن تعترف بأنّه عرشها، وأن تُسلم على الفور ولكنها أجّلت ذلك. والسبب هو ذلك الجدار نفسه (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، أي الغشاوة التي أعمت بصرها وبصيرتها، وخوفها من قومها أيضا، فقالت (كَأَنَّهُ هُوَ) ، وحتى لو أُجريَ على متاعك، الكثير من التعديلات، فستبقى أشياء كثيرة تدلك عليه، فكانت إجابتها حكيمة وغاية في التعقل، فلم تثبت وتسلم أسلحتها الواهية من الوهلة الأولى، محافظة منها على كبريائها كملكة، ولم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت