تنف، لأنها تعلم وقومها ويعلم سليمان وقومه علم اليقين، أنه هو بعينه، فتدل على كبرياء أجوف وعن بلاهة وغباء، فإجابتها الموسومة بالشكّ كانت هي الأسلم.
كانت تعلم بحكمتها أن هناك شيئا آخر ينتظرها، سيأتي أوانه بعد حين، فكشفت بهذه الإجابة لسليمان عن استعدادها للهداية، فيما لو عرض عليها برهانا دامغا وقاطعا. ولكن ما الذي فعله سليمان حقيقة في هذا الموقف؟ كان إحضار عرشها، لإظهار مدى عظم ملكه الموهوب له من قبل ربه، وكان تنكير العرش لإيقاظ حاسة البصر فيها ودقة الملاحظة، وتحفيزا لعقلها وقلبها، ولما اهتدت إلى إنه عرشها، أخذتها العزة بالإثم شيئا قليلا، فكابرت حتى حين.
دخول الصرح:
فكانت الضربة الثالثة والأخيرة، أي القاضية التي سوّت ذلك الجدار بالأرض، ولم تترك له أثرا، (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ) ، فما الذي كان في الصرح؟ كانت أرضية الصرح من زجاج مصقول، ومن تحت الزجاج ماء، وعندما شاهدت الماء، رفعت ثوبها خوفا من البلل، وهمّت بالمشي فيه، (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا) فتبسم سليمان وكأنه خاطبها ضاحكا: لقد كنت واهمة، فلن يصل الماء إلى ثوبك فأنزليه وتقدمي، فهذا (صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ) فأنزلته ودخلت، ولما لامست قدميها الزجاج تبين لها بطلان ما اعتقدت. وهنا مربط الفرس، فما كان منها إلا أن خجلت، من وهمها وانعدام بصيرتها، وذهاب عقلها وحكمتها وضلالها في تلك اللحظة، إذ لم تستطع تمييز الزجاج من الماء، فاستوعبت على الفور، مضمون الرسالة التي وجهها لها سليمان.
العبرة:
فقد يظنّ الإنسان بجهله أنه على حقّ، بينما يكون في الحقيقة على باطل، وهذا هو حالها وقومها بعبادة الشمس من دون الله، وأنه دعاها إلى الحق عن علم، فتمسّكت بالباطل عن جهل، فتبينت بالتجربة والبرهان بطلان معتقدها، وأن الحقّ مع سليمان، فاستجابت على الفور لدعوة سليمان الأولى، قائلة (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) باتباع الباطل عن غير علم، (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(44 النمل) ، فما كان من قومها إلا أن تبعوها، وعادت إلى مملكتها لهداية قومها، وأُرجّح أن سليمان لم يتزوجها، والله أعلم، ودانت بعد ذلك مملكتها لسليمان دينيا، وليس عسكريا، وبقيت العلاقات والمصالح التجارية وغيرها قائمة بين الدولتين، مرورا بجزيرة العرب، لفترة طويلة، حسبما تثبته سورة سبأ (15 - 20) ، وفيما بعد كفر قوم سبأ إلا قليل منهم، ومع تقادم الزمن انقطعت تلك العلاقة.
بنو إسرائيل في عصر سليمان:
أما بني إسرائيل في عصر سليمان، فلم يختلفوا كثيرا عما كانوا عليه، في عصر موسى وداود، حيث كانوا على الدوام فاسدين كأفراد، إلا من رحم الله، وما اختلف عليهم في عصر سليمان، أن سليمان ساسهم بالقوة والسلطان، وكان يأخذهم إلى القتال، وهم بطبيعتهم له كارهون، قال تعالى (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(17 النمل) ، وحشر أي جُمع، ويوزعون أي يساقون بانضباط، ولا يتقدم آخرهم على أولهم.
هل تحقّق العلو الأول لبني إسرائيل في فلسطين؟
وأما سبق دخولهم للأرض المقدسة، فقد قال فيه سبحانه، على لسان موسى عليه السلام، (يَقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ(21 المائدة) أي كُتب لبني إسرائيل دخولها، وقال سبحانه (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا(137 الأعراف) أي ملكوها وسكنوها، وذلك بعد انقضاء سنوات التحريم والتيه الأربعين. والأرض المبارك فيها هي